أميركا وجماعة الحوثي .. التصنيف والمكاسب

15 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

عند توصيف الإرهاب الموجّه حيال اليمنيين، تحتل جماعة الحوثي قائمة الأطراف المحلية المنتهكة، من حيث القصدية في قتل المدنيين وانتهاكها قوانين الحرب، بما في ذلك ممارساتها حيال المواطنين في المناطق الخاضعة لها، الأمر الذي يجعل تصنيفها جماعة إرهابية ينسجم مع ممارساتها، ومع طبيعتها الدينية التي تنتهك مواطنية اليمنيين، إلا أن إعلان إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عزمها على تصنيف جماعة الحوثي منظمة إرهابية أجنبية يخضع لحسابات سياسية تخص أولويات الإدارة الأميركية الحالية في اليمن والإقليم، وليس لأسباب أخلاقية، تهدف إلى تجريم المتورّطين في جرائم حرب بحق اليمنيين، فإضافة إلى قيامها بهذا الإجراء، مع اقتراب نهاية ولاية ترامب، فإن ضلوعها هي الأخرى بجرائم بحق اليمنيين، سواء دعمها اللوجستي لعمليات التحالف العربي التي قتلت آلاف اليمنيين، أو تجاهلها جرائم حلفائها الإقليميين، السعودية والإمارات، بحق اليمنيين، والذي هو أيضا إرهاب دول تجاه شعب أعزل، وإن أتى تحت غطاء إعادة الشرعية اليمنية إلى السلطة، بما في ذلك تورّط إدارة ترامب بقتل المئات من المدنيين جرّاء طائرات الدرونز الأميركية، وهو ما يجعل من المعطى الأخلاقي لإدارة ترامب في توصيف جماعة الحوثي مجرّد أكاذيب تفتقر للمصداقية؛ إلا أن الأكيد هنا أن القرار الأميركي يشكل انعطافة جديدة في صراعها مع إيران، وذلك باستهداف آخر حلفائها في المنطقة، بعد أن تركّزت جهودها في العراق وسورية، بعد قتلها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، سواء بوضع دبلوماسيين إيرانيين في القائمة الأميركية للإرهاب، أو تطبيق قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين لحصار نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، بما في ذلك إدراجها السفير الإيراني في صنعاء، حسن إيرلو، في قائمة الإرهاب. ومع عزم الإدارة الأميركية، قبل مغادرتها البيت الأبيض، على تصنيف الجماعة في قائمة الإرهاب، تكون نجحت في تطويق حلفاء إيران في المنطقة، بهدف استباق أي تقارب أميركي - إيراني من إدارة الرئيس جو بايدن، أكثر من كونه اضراراً بمصالح الجماعة التي تمتلك أدواتٍ اقتصادية وسياسية وعسكرية، تمكّنها من الإفلات من تبعات القرار الأميركي، ومن ثم لن يؤثر سلباً على الجماعة، وإنما ستطاول تداعياته الاقتصادية والإنسانية المواطنين في المناطق الخاضعة للجماعة. 

ظلت جماعة الحوثي تزيف وعي أنصارها في حربها ضد أميركا، إلا أن القرار الأميركي تصنيفها إرهابية منحها زخماً سياسياً لاستقطاب أنصار جدد لحربها

تقييم القرار الأميركي في تصنيف جماعة الحوثي في قائمة الإرهاب لا يتأتى من انعكاسه على أطراف الصراع في اليمن، بما في ذلك تقليصه فرص تحقيق السلام، وإنما مدى فاعليته في تقييد نشاط جماعة الحوثي عسكرياً، وإخضاعها سياسياً للقوانين الدولية، بما في ذلك حليفها الإيراني، إذ أغفل القرار فهم طبيعة جماعة دينية مغلقة كجماعة الحوثي، في كيفية إدارة تماسكها، بوصفها جماعة متعدّدة الأجنحة، بما في ذلك ضمان ولاء شبكة حلفائها المحليين، حيث تستمد الجماعة وحدتها الداخلية، وكذلك أجندتها السياسية، من فكرة العدو الذي يستلزم خضوع أجنحتها لرأس السلطة الدينية، قائد الجماعة. وفي حين أسهم التنافس بين أجنحتها في ضعفها وترهلها سياسياً في السنوات الأخيرة، بما في ذلك دخول أجنحتها في تصفياتٍ متبادلة، فإن تصنيفها في القائمة الأميركية للإرهاب، يحقق للجماعة مكسباً سياسياً كبيراً، فإضافة إلى توحيد أجنحتها المتنافسة حول هدفٍ واحد، وهو استمرار خوضها الحرب، وكذلك تغليب جناحها العقائدي والعسكري على قرار الجماعة، فإن تجريمها مع إيران يعلي الجناح الموالي لإيران داخل الجماعة، بعد تصاعد سلطته مع وصول السفير الإيراني، حسن إيرلو إلى صنعاء، وهو ما يمنح الجناح الإيراني الغلبة السياسية على الأجنحة الأخرى، بما في ذلك الجناح اليمني، وهو ما قد يدفع الجماعة إلى تمتين علاقتها بإيران أكثر من السابق. ومن جهة ثانية، يمنح القرار الأميركي الجماعة ضوءا أخضر للتنصل من كل الاتفاقيات التي انخرطت فيها مع السلطة الشرعية، برعاية الأمم المتحدة، بما في ذلك اتفاق استوكهولم، وكذلك اتفاقات الأسرى. ومع أن الجماعة أقل قبولاً للسلام، بما في ذلك عدم استجابتها لتنفيذ الاتفاقيات والتعهدات، لأنه يهدّد استمرارها بوصفها قوى مقاتلة، فإن القرار الأميركي يتقاطع مع مصالحها، وذلك باعفائها من أي التزاماتٍ سياسية، وبالتالي يطلق يدها في استمرار خوض الحرب، وكذلك تثبيت سلطتها في المناطق الخاضعة لها. ومن جهة ثالثة، لا تأبه جماعةٌ دينية محلية راديكالية بمخاطر العزلة الدولية المترتبة على القرار الأميركي أو بالشرعية الدولية، وذلك لأن منهجها المحلي المنغلق يحتّم عليها الاكتفاء بالسياق المحلي، وبتحالفاتها الدينية العقائدية مع إيران والقوى المحلية الأخرى، كحزب الله والتنظيمات الشيعية في العراق. في المقابل، يصبّ القرار الأميركي في صالح إيران، وذلك بسيطرتها الفعلية على قرار حليفها في اليمن، سواء في السياسة أو في الحرب. 

إلى ذلك، قد يدفع القرار الأميركي جماعة الحوثي إلى تصعيد عملياتها العسكرية إلى منحىً أكثر شراسة وعدوانية، إذ إن الجماعة التي تتبنّى عقيدة "الموت لأميركا"، وإن كان في سياق شعاراتي استعراضي، لاستنهاض همّة مقاتليها الأميين، ظلت تزيف وعي أنصارها في حربها ضد أميركا، إلا أن القرار الأميركي منحها زخماً سياسياً لاستقطاب أنصار جدد لحربها، بذريعة محاربة أميركا، وكذلك تصعيد عملياتها القتالية، سواء في جبهات الحرب ضد السلطة الشرعية أو ضد السعودية، واستهداف عمقها، كونها في الأخير جماعة راديكالية محلية مارقة، فضلا عن تحشيدها مقاتلين من القبائل، وذلك بعد تململها من دفع كلفة حروب جماعة الحوثي، بحيث يمنحها التجريم الأميركي زخماً مضاعفاً لعملياتها القتالية في اليمن، دفاعاً عن عقيدتها الدينية، بما في ذلك توحيد عملياتها العسكرية مع حليفها الإيراني، والقوى المحلية والإقليمية والدولية المعادية لأميركا ضد أهداف أميركية وحلفائها في المنطقة.

قد يدفع القرار الأميركي تصنيف جماعة الحوثي إرهابية إلى تصعيد عملياتها العسكرية إلى منحىً أكثر شراسة وعدوانية

يتكئ المرحّبون بالقرار الأميركي على إمكانية تجفيف المنابع الاقتصادية لجماعة الحوثي في تمويل حروبها في اليمن، وعملياتها الهجومية ضد السعودية، وتقييد نشاطها الإرهابي المهدد للملاحة الدولية، وكذلك ملاحقة الأصول المالية لقياداتها، ومع صعوبة تطبيق القرار الأميركي في بيئة الحرب المنفلتة كالبيئة اليمنية، الإ أن العقوبات الاقتصادية لن تؤثر على جماعة الحوثي، بما في ذلك استمرار تمويل أنشطتها العسكرية والدينية، حيث راكمت الجماعة طوال سنوات الحرب، كسلطة أمر واقع، تحكم أغلب المناطق اليمنية ذات الكثافة السكانية، اقتصاد حربٍ محلياً موازياً، بامتداداته الإقليمية، وانخراط قوى دولية بهذا الاقتصاد، ومن ثم لا يمكن تفكيكه بسهولة، إلا بتفكيك بنية الحرب نفسها، وإيقافها، الأمر الذي يجعل الجماعة قادرةً على التحايل على أي عقوبات اقتصادية، كما أن تعدّد مواردها الاقتصادية في المناطق الخاضعة لها، سواء الضرائب التي تفرضها على التجار في المنافذ الداخلية أو مداخيل الضرائب على مجمل الأنشطة التجارية في المناطق الخاضعة لها، وكذلك الأتاوات، والمجهود الحربي، بما في ذلك موارد قانون "الخمس" الذي فرضته على أموال المواطنين، تشكل موردا اقتصاديا ضخما ومتجدّدا لجماعة الحوثي، بحيث يمكنها من تمويل حروبها، كما يصعب إخضاعه لأي رقابة أميركية أو دولية، فضلاً عن تنميتها اقتصاد حربٍ متحرّكا، من خلال طبقة سياسية واقتصادية موالية لها، عابرة لمعسكرات الحرب ذاتها، ما يجعل الجماعة قادرة على الاستمرار بوتيرة حروبها السابقة، وتخليق منابع جديدة لاقتصادها.

يتم إغفال سردية حياة اليمنيين في ظل الحرب، وكيفية إدارة سلطات الأمر الواقع احتياجاتهم المعيشية

كالعادة، يتم إغفال سردية حياة اليمنيين في ظل الحرب، وكيفية إدارة سلطات الأمر الواقع احتياجاتهم المعيشية، بحيث لا يتم تجاهل هذه التبعات على حياتهم فقط، وإنما يدفعون وحدهم كلفتها، إذ تتعدد التبعات الإنسانية للقرار الأميركي على المواطنين في المناطق الخاضعة لجماعة الحوثي، ولا تندرج في ذلك مخاوف المنظمات الدولية التي أطلقتها عن تدهور الوضع الإنساني في مناطق الجماعة، إذ إن نشاط المنظمات الإغاثية الدولية انحسر منذ سنوات، كما أنه ونتيجة فسادها، لم تستفد الطبقات الفقيرة والأشد فقراً من عملياتها الإنسانية في مناطق الجماعة، فضلا عن سيطرة جماعة الحوثي على مشاريع المنظمات، واستقطاعها أموالا لصالحها، بما في ذلك تقييد نشاطها. ومن ثم لا يشكل غياب المنظمات الإنسانية فارقاً في بيئة الفقر في مناطق الحوثي، مع إعلان الإدارة الأميركية تسهيل مرور المواد الإغاثية إلى المناطق الخاضعة للجماعة، إلا أن التبعات الإنسانية المترتبة على القرار الأميركي تنحصر في ممارسة جماعة الحوثي حيال المواطنين، بعد دخول القرار حيز التنفيذ، وكذلك الأضرار الاقتصادية الناتجة عن تطبيق القرار، فإضافة إلى تعزيز الجماعة توجهها في إنهاك المواطنين والتجار بفرض الضرائب والأتاوات، لتعويض أي خسائر اقتصادية جرّاء القرار الأميركي، وكذلك توظيفه لامتصاص موارد اليمنيين، كعادتها، ما يعني ارتفاع أسعار المواد الغذائية واتساع رقعة المجاعة في أكثر المناطق اليمنية فقراً، فضلا عن إدارة المجتمع بالأزمات، بإحداث أزمة مشتقات نفطية وإغاثية، لإحراج المجتمع الدولي، فإن دخول القرار الأميركي حيز التنفيذ، قد يؤدي إلى تقييد حركة التحويلات الخارجية في المناطق الخاضعة للجماعة، بحيث قد توقف البنوك والمصارف الدولية التحويلات للبنوك الخاضعة للجماعة. ومع اعتماد أغلبية المواطنين في المناطق الخاضعة للجماعة على تحويلات ذويهم من الخارج، فإن تطبيق القرار الأميركي يعني حرمان ملايين اليمنيين من مصدر حيوي لاستمرارهم في الحياة، وهو ما يعني توسيع رقعة الفقر بمستوياتٍ خطيرة. وربما، تجدر الإشارة هنا إلى أن إجراء نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن، قبل أربع سنوات، كان بذريعة تجفيف المنابع الاقتصادية لجماعة الحوثي، إلا أن المحصلة كانت تجفيف جيوب وحياة أكثر من مليون موظف حكومي في مناطق الجماعة، بعد فقدانهم رواتبهم، وتقاعس سلطات الحرب عن وقف معاناتهم. 

ليست الحرب القتل والتشريد والنزوح وفقدان الأمان الإنساني فقط، وإنما أيضا الإفقار والتجويع والإنهاك، ودفع المواطنين إلى الموت جوعاً، وتضييق كل خيارات الحياة أمامهم، ومهما كان ما ستجنيه الأطراف المحلية والإقليمية والدولية من مكاسب سياسية لتصنيف جماعةٍ هي أصلاً قوى أجرمت، ولا تزال تُجرم بحق اليمنيين، فإن ما سيطلقه هذا القرار من تداعياتٍ لا إنسانية بحق الملايين المغلوبين على أمرهم في مناطق سلطة الجماعة، تجعل كل المصفقين والمهللين يفتقرون إلى حسّ إنساني بسيط، وهو تمثل نكبات اليمنيين، لا مصالح قوى الحرب، وإن كان من الصعب التوفيق بين الأخلاق والسياسة.