أميركا الجديدة: إسرائيل أولاً
لا يتردّد الباحث والأكاديمي الأميركي البارز في العلاقات الدولية والسياسات الأميركية، جيفري ساكس، في القول، بتعقيبه على الحملة الأميركية على إيران، إنّ إسرائيل تقود أميركا اليوم بصورة كاملة في الشرق الأوسط؛ وهو أمر قد يراه بعضهم مسلّمة رئيسية في تحليل السياسة الأميركية، وقد سبق أن كتب اثنان من أبرز المنظّرين الأميركيين، أيضاً، في العلاقات الدولية، ستيفن والت وجون ميرشايمر، عن الدور الكبير والخطير للوبي الصهيوني في التأثير بالسياسات الأميركية تجاه المنطقة.
هنالك اليوم متغيّر قديم - جديد في هذه المعادلة؛ الحركة الإنجيلية الجديدة (Neo-Evangelical)، التي أصبحت تتداخل مع الحركة المسيحية الصهيونية ومع اللوبي اليهودي - الصهيوني، وجميعها قوى كبيرة ومؤثرة وفاعلة في أروقة ولوبيات ومطابخ القرار وصناعة العملية السياسية في الولايات المتحدة، ولم يُخفِ نتنياهو في لقائه قبل أشهر مع ممثلين لهذه الحركة ونسب إليها الفضل في أنّها التي أسست الصهيونية منذ القرن التاسع عشر (حقيقة يؤكدها المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه).
والقول إنّ متغيّر المسيحية الصهيونية ودور المسيحيين الجدد قديم - جديد يكمن في أنّ هذه الحركة ليست جديدة، وكذلك تأثيرها في السياسة الأميركية، لكن الجديد أنّها اليوم أصبحت لاعباً مباشراً وفاعلاً، ويكاد يكون معلناً، في صناعة السياسات الأميركية تجاه المنطقة والشرق الأوسط، بل أصبح الأمر علنياً حتى في الولايات المتحدة، الأمر الذي أدّى إلى خلافات في الحزب الجمهوري نفسه، الذي يمثّل المؤسّسة السياسية الحاضنة هذه التيارات، وفي أوساط حركة ماغا (كانت طرفاً فاعلاً في حملة الرئيس ترامب).
من زاوية أخرى، وهنا بيت القصيد، إذا كانت إسرائيل قد شكّلت، خلال العقود الماضية، إحدى المصالح الاستراتيجية في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، فإنّ قيمة هذه المصلحة وعلاقة إسرائيل بأميركا لم تكن على الدوام على مستوى واحد، وإنْ شهدت منذ مرحلة هنري كيسنجر، وبداية السبعينيات نقلة نوعية، وتقارباً غير مسبوق، كما يُسجّل هذا مارتن أنديك (في كتابه "سيد اللعبة: هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط")، ولعبت شخصيات مهمة في السياسة الأميركية، مثل كيسنجر وأنديك نفسه دوراً كبيراً في تعريف المصالح الأميركية بما يخدم إسرائيل، وأحد الأمثلة استراتيجية "الاحتواء المزدوج" في التسعينيات، التي قامت على اعتبار كل من العراق وإيران مشكلة، وبُنيت السياسة الأميركية على احتوائهما معاً وعدم السماح لأيّ منهما بأن يكون قويّاً إقليميّاً، خشية من تهديد مصالح إسرائيل!
تغيّر الوضع بعد احتلال العراق في عام 2003، ما فتح الباب لصحوة المارد الإيراني، ثم بعد الربيع العربي أصبحت طهران لاعباً إقليميّاً كبيراً، مع تراجع بل انهيار النظام الإقليمي العربي وتفكّكه، وأعادت إسرائيل لاحقاً تعريف مصادر التهديد لتجعل من إيران والإسلامين السياسيين، الشيعي والسني، مصدر التهديد الرئيس، بدلاً من الأنظمة القومية العربية في الماضي.
خلال 25 عاماً منذ صعود المحافظين الجدد إلى السلطة، بدا واضحاً أنّ مسألة إسرائيل أصبحت أكثر قوة وتأثيراً ونفوذاً في التيارات اليمينية والمحافظة والمحافظة الجديدة، وبدأ دور المسيحية الصهيونية يرتفع وتتعمّق علاقتها بالمسيحيين الجدد لتتشكّل قوة سياسية داخلية كبيرة وفاعلة في هذه الأوساط، وهي القوة التي قادت إلى احتلال العراق في عام 2003، وتدميره، وفكّرت بعد أحداث 11 سبتمبر بتغيير أنظمة الشرق الأوسط لتكون ديمقراطية، وانتقلت السياسة الأميركية من حماية الأنظمة إلى تغييرها، من خلال مبادرة كوندوليزا رايس لتوسيع الديمقراطية في العالم الإسلامي، ونظرية الفوضى الخلّاقة التي تبنّتها الدوائر نفسها في واشنطن.
مع ترامب، أصبح هنالك عامل آخر مهم، اليمين الشعبوي الذي مثّله الرجل، ومعه القاعدة الأنغلوساكسونية البيضاء البروتستانتية، وصعد سؤال الهويتين السياسية والاجتماعية، وركب التيار المسيحي الصهيوني على هذه الموجة ليصبح اليوم المتحكّم في البيت الأبيض، وهو الذي يرسم اليوم ملامح الاستراتيجية الجديدة، تغيير المنطقة بأسرها لتكون إسرائيل القوة المهيمنة. ونلاحظ أنّ الفترة الثانية من ولاية ترامب تختلف عن الأولى في أنّ هذا التيار أصبح أكثر استحكاماً وتحكّماً، بل ابتعد ترامب نفسه عن عرض صفقة القرن للتسوية السلمية التي قدّمها في الفترة الأولى، لأنّ المرحلة الحالية المخطّط لها، أن تتحوّل إسرائيل إلى قوة إقليمية، وإنهاء القضية الفلسطينية، واستثمار حالة الانعدام الكامل للوزن في منطقة الشرق الأوسط لمصلحة العامل الإسرائيلي.
في الخلاصة، بالرغم من كل ما يمكن أن يُقال عن التحوّل في موقف جيل الشباب في أميركا من إسرائيل، وهو أمر صحيح تماماً، ومن الخلاف حول اللوبي الصهيوني، إلّا أنّ ذلك لم ينعكس على حجم النفوذ والتأثير الذي بات يمتلكه هذا التيار اليوم أكثر من أي وقت مضى.