أميركا "العائدة" ولكن إلى عالم جديد

أميركا "العائدة" ولكن إلى عالم جديد

18 يونيو 2021
الصورة

بايدن مغادرا فيلا لا جرانج في جنيف بعد اجتماعاته فيها مع بوتين (16/6/2021/Getty)

+ الخط -

حرص الرئيس الأميركي جو بايدن، في جولته الخارجية الأولى التي حملته إلى أوروبا، على التأكيد، مرة تلو الأخرى، على أن "أميركا عادت إلى الطاولة". طبعاً، لا يخفى قصده هنا، فهو يعتبر، مصيباً، أن الولايات المتحدة تخلت عن دورها القيادي عالمياً خلال السنوات الأربع لسلفه دونالد ترامب. كان بايدن قد ورث تراجعاً أميركياً على الصعيد الخارجي، وضعفاً في مصداقية بلاده بين حلفائها، وتقهقر هيبتها بين خصومها. ومن ثمَّ فإن إدارته جاءت تروم إعادة ترميم المكانة الجيوسياسية للولايات المتحدة، واستعادة مصداقيتها ونفوذها العالمي، بحيث يحترمها حلفاؤها من جديد، ويحسب خصومها حساباً لها. ومعلومٌ أن مقاربة إدارة ترامب للسياسة الخارجية، والتي كانت مستوحاة من شعاره الانتخابي "أميركا أولاً"، اتسمت بالفوضوية وعدم التماسك وغياب الانسجام، وأدّت إلى تعزيز النزعة الانعزالية الأميركية دولياً، وإلى إيجاد فراغاتٍ في ساحات خارجية كثيرة، سعت قوى دولية، وتحديداً روسيا والصين، إلى تعبئتها.

شهدت حقبة ترامب توتراتٍ مع الحلفاء، ككندا والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو). ولذلك كان بايدن واضحاً، حتى قبل أن يُنتخب رئيساً، في أن استعادة تلك العلاقات ستكون الأولوية الأولى لإدارته في السياسة الخارجية. منطق بايدن، كان ولا زال، أن الولايات المتحدة غير قادرة وحدها على احتواء التهديدين الصيني والروسي، اقتصادياً وعسكرياً. قبل بدء رحلته الأوروبية، كتب في مقال له في صحيفة واشنطن بوست: "يجب أن تقود الولايات المتحدة العالم من موقع قوة"، بما في ذلك مواجهة "الأنشطة الضارّة لحكومتي الصين وروسيا". ولا تخفي واشنطن تصنيفها الصين، تحديداً، أنها التحدّي الجيوسياسي الأبرز الذي تواجهه. وحسب وثيقة "التوجيهات الاستراتيجية المؤقتة"، الصادرة عن البيت الأبيض في شهر مارس/ آذار الماضي، تمثل الصين "المنافس الوحيد المحتمل القادر على الجمع بين قوتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية، لتشكيل تحدٍّ مستدام لتحقيق الاستقرار، ونظام دولي مفتوح". من هنا، يمكن أن نفهم إصرار إدارة بايدن على قمة السبع الكبار التي عقدت في بريطانيا، وقمة "الناتو" التي عقدت في بروكسل، أن تضعا التصدّي لروسيا التي تتهمها واشنطن بمحاولة تغيير قواعد العمل الدولي، والصين، الصاعدة بقوة قطبا موازيا للولايات المتحدة، على رأس أولوياتهما، وهذا ما كان.

سياسة ترامب أدت إلى إيجاد فراغاتٍ في ساحات خارجية كثيرة، سعت قوى دولية، وتحديداً روسيا والصين، إلى تعبئتها

كثيرة هي الاتهامات التي ساقتها القمتان بحقّ روسيا والصين، وأغلبها صحيحة، وإن لم يعن ذلك أن الولايات المتحدة وحلفاءها بريئون من الإفساد والتحيز والعدوان. دعا البيان الختامي لقمة مجموعة السبع روسيا إلى "وقف أنشطتها المزعزعة للاستقرار"، بما في ذلك التدخلات الخارجية، كما في أوروبا الشرقية وسورية وليبيا، ودعاها إلى احترام حقوق الإنسان. كما طالب البيان الصين بـ"احترام حقوق الإنسان" في إقليم شينجيانغ، الواقع شمال غرب البلاد، ويضم أقلية الإيغور المسلمة، وأقلياتٍ مسلمة أخرى، وكذلك باحترام اتفاق الحكم الذاتي في هونغ كونغ الذي كانت بكين قد وقعته مع بريطانيا عام 1997. وتبنّت مجموعة السبع خطة إنفاق لدعم البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وذلك في رد فعل على مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، بهدف دعم التنمية المستدامة في البلدان النامية. أما بيان "الناتو" فقد ركز على ضرورة مواجهة التحدّيات التي تفرضها روسيا والصين، بوصفهما نظامين شموليين، وهو ما يستوجب تكاتف الولايات المتحدة وأوروبا. وحسب الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، فإن الصين توسع ترسانتها النووية بشكل سريع مع رؤوس نووية متطوّرة، وهي تقترب من الحلف في المجال السيبراني، وتتوسّع في أفريقيا والمحيط المتجمّد الشمالي، مشدّدا على أن توسع نفوذ الصين يمثل تهديداً لأمن الحلف.

ما سبق يجسّد الرؤى التي كان قد طرحها بايدن مرشّحاً، وتحديداً في ورقةٍ موسعةٍ نشرها في مجلة "فورين أفيرز" الأميركية في عدد شهري مارس/ آذار وإبريل/ نيسان 2020، تحت عنوان: "لماذا يجب أن تقود أميركا مرة أخرى: إنقاذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد ترامب". انطلق بايدن، في تلك الورقة، من تأسيس فلسفي، مفاده أن "العالم لا ينظم نفسه"، وبالتالي لا بدّ له من قيادة للتعامل مع التحدّيات التي تواجهه. وحسب بايدن، الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تملك الإمكانات العسكرية والاقتصادية والقيمية، فضلاً عن القدرة على حشد العالم الحر، للقيام بذلك. ولتحقيق هذا الهدف، لا بد أولاً من أن تستعيد الولايات المتحدة مصداقيتها ونفوذها، وأن يثق العالم بكلمة الرئيس الأميركي ويحترمها.

ولا يتردّد بايدن في تلك الورقة في تقديم الصين أنها المعضلة الاستراتيجية الأبرز لأي إدارة أميركية، على أساس أنها هي المنافس الجيوسياسي للولايات المتحدة اقتصادياً وتكنولوجياً، وهي تهدّد السيطرة الأميركية عالمياً، وتعزّز سيطرتها على بحر الصين الجنوبي، وتستمر في بناء قوتها العسكرية، وتمد نفوذها في شرق آسيا وفي مناطق أخرى كثيرة. وتقوم مقاربة بايدن على أن الولايات المتحدة بمفردها تمثل حوالي ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وعندما تتّحد القوة الاقتصادية الأميركية مع القوة الاقتصادية للديمقراطيات الغربية والآسيوية الأخرى، كاليابان وكوريا الجنوبية، فإن الصين لن يكون في مقدورها تجاهل أكثر من نصف الاقتصاد العالمي. أما بالنسبة لروسيا، فإن بايدن لطالما أكّد أنه سيتخذ موقفا أكثر تشدّداً معها من ترامب الذي شكّك في المعلومات الاستخباراتية الأميركية عن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية عام 2016، ومزاعم شنِّها هجمات سيبرانية على البنى التحتية الأميركية. ويشدّد بايدن على ضرورة "فرض تكاليف حقيقية على روسيا بسبب انتهاكاتها المعايير الدولية، ودعم المجتمع المدني الروسي، الذي وقف بشجاعة مرارًا وتكرارًا ضد نظام الرئيس فلاديمير بوتين الاستبدادي الفاسد". كما يرى أن تعزيز القدرات العسكرية لحلف الناتو سيكون أمراً ضرورياً لمواجهة "العدوان الروسي".

قد تكون أميركا "عادت" فعلاً إلى المزاحمة على القيادة الدولية عبر تحشيد حلفائها، ولكن العالم تغير عمَّا كان عليه قبل أكثر من أربع سنوات

في لقاء القمة الذي جمع، يوم الأربعاء الماضي، بايدن ببوتين، في جنيف، كان واضحاً التوتر بين الطرفين، إلى حد إصرار الطرف الأميركي على أن لا يعقدا مؤتمراً صحافياً مشتركاً، بهدف حرمان بوتين من كسب "شرعية دولية". اللافت، أنه لما سُئل بايدن بعد لقاء القمة عما إذا كانت الولايات المتحدة وروسيا قد دخلتا حقبة "حرب باردة" جديدة، أجاب إن آخر شيء يريده بوتين هو ذلك. أما السبب، حسب بايدن، فهو أن لروسيا حدوداً مشتركة مع الصين تمتد آلاف الأميال. وفي حين تسعى الصين أن تكون أكبر اقتصاد عالمي، وأن يكون لديها أقوى جيش، فإن هذا يجعل من روسيا مجرّد شريك صغير وتابع، ذلك أن اقتصادها صغير جداً، ولا يدخل في أول عشرة اقتصادات عالمية، ومن ثمَّ ليس من مصلحة لروسيا خوض حرب باردة مع الولايات المتحدة.

باختصار، قد تكون أميركا "عادت" فعلاً إلى المزاحمة على القيادة الدولية عبر تحشيد حلفائها، ولكن العالم تغير عمَّا كان عليه قبل أكثر من أربع سنوات، عندما كان بايدن نائب رئيس في إدارة باراك أوباما. تتقارب الصين وروسيا اليوم لتنسيق جهودهما في التصدّي لمحاولات الولايات المتحدة احتواءهما، لكنهما، في الوقت نفسه، لا تثقان بعضهما ببعض، وهما حذرتان في مدى ذلك التحالف، خصوصاً موسكو التي تخشى أن تصبح مجرّد شريك صغير، أو حتى تابع لبكين. إنه صراع على ترسيم خرائط القوى العالمية الجديدة، ولا يمكن لأحد أن يتنبأ بيقين بمخرجاته.