أما زالت أجمل الثورات؟

أما زالت أجمل الثورات؟

27 يناير 2022
+ الخط -

اليوم .. في الذكرى العاشرة لثورة 25 يناير في مصر، أعود إلى مشاعري التي تركتها هناك، في جناين مصر حيث فتح الورد وامتلأت ميادين مصر بما رأيناه الخلاص للأمة كلها، باعتبار مصر قلب الأمة الذي يضخّ الحياة في شرايينها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، كما يُنذر بالموات قبل موعده من القلب إلى الأطراف.

حاولت تذكّر تلك المشاعر، فأعيتني الذاكرة التي أعرفها، إذ تعاندني ساعة تشاء، حماية لي كما أتوهم من مغبّة الذكريات إن تحوّل الوقت، وحوّلها إلى كابوس مستمر. عدت إلى بعض ما كتبته آنذاك، فاندهشت من حجم الأمل الذي كنت أكتب فيه، وأنا أراقب المشاهد المهيبة في ميدان التحرير ليلة بعد ليلة. استعدت قليلا من الصوت الهادر، وأنا أعيد قراءة مقال نشرته على هامش الثورة بعنوان "مصر هبة المصريين"، اعتبرت فيه أن ثورة مصر، بعد مرور 18 يوما على انطلاقتها، هي أجمل الثوراتٍ لأسباب أوردتها في ذلك المقال. فهل ما زالت ثورة مصر، بعد مرور أحد عشر عاما عليها أجمل الثورات فعلا؟ أعيد نشر بعض مما كتبته يومها لمقارنته بما حدث ويحدث منذ ذلك التاريخ، في محاولة للإجابة عن السؤال:

".. والمصريون، أولئك القوم الصابرون على ابتلاءات السياسة، بالرغم من ابتسامات الطبيعة، على مر الأزمان، المكافحون بفيض الإبداع، وسيول الضحك والفرح وأنهار الفنون والآداب والعلوم، الضاربون في كل فج عميق من الجمال والاحتمال، الفنانون، التاريخيون، الحضاريون، الشعراء والروائيون، العلماء، السياسيون، المناضلون، الحمّالون للأسية والأسى، الكادحون، الطيبون .. قرّروا أخيرا أن يقولوا كلمتهم الحرة، وأن يتحدثوا بصوت عال، وأن يستثمروا مواهبهم كلها في استرداد حريتهم وشخصيتهم، وأن يقفوا حرّاسا على حافة نبع روحهم الجميلة.

نضال فيسبوك والتويتر واليوتيوب وغيرها من أدوات التكنولوجيا الحديثة ووسائلها التحم مع نضالات الشارع. ويوما بعد يوم، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا وأطفالا، أقباطا ومسلمين، في الداخل والخارج.. كلهم كلهم.. قرّروا ان يتحدوا قصدا، هم المتحدون في طبيعتهم وفطرتهم القديمة، وأن يصدحوا بتلك الكلمة السحرية المكونة من حرفين فقط: لا.

صدحوا بها ليلا ونهارا، وردّدها خلفهم من وراء الشاشات التلفزيونية والإلكترونية الكثيرون ممن تماهوا مع الثورة الشابة في كل بقاع الأرض، فأزهرت هذه الـ"لا" الكثير من "الورد اللّي فتّح في جناين مصر".

صار للثورة قلب اسمه ميدان التحرير، وتحول ذلك القلب إلى بؤرة للرفض النابض بالغضب والأمل والمغذّي للصورة بدم الشباب في كل مكان مصري وعربي أيضا.

انتصرت مصر، بشعبها، وتحقّقت إرادتها الحرّة، وقالت كلمتها الأولى لأنها كلمتها الأخيرة، وتحقّق شعارها، وتنحّى الرئيس أخيرا، أو لعلّه نُحي، بعد أن حاول أن يقاوم إرادة الشعب بالمزيد من التعالي والترفع والدوس على الدماء الطاهرة التي حنت أرض مصر، والورد اللّي فتّح في جناين مصر، فكانت أجمل ثورة.

أجمل ثورة .. لأنها بدأت ثورة سلمية، وحافظت على سلميتها منذ اليوم الأول إلى اليوم الأخير. وأظهر الشباب المصري مقدرةً عاليةً على ضبط النفس، حتى في أحلك اللحظات وأصعبها. وكانت الرسائل المتبادلة بينهم عبر فيسبوك، وخصوصا ليلة اللاتنحّي، وهم يتواصون أن تظل الثورة سلمية تثير الإعجاب المضاعف بهم، خاصة أن الجميع لاحظ أن كلمة "سلمية" هي المفردة الأكثر ورودا في رسائلهم تلك. وهي أجمل ثورة، لأنها ثورة ذكية، ومنظمّة، بالرغم من عفويتها، وبلا إملاءات خارجية كما حاول إعلام السلطة المتهافتة أن يوحي بذلك.

وهي أجمل ثورة، لأنها انفتحت على الجميع، في كل مكان، وأزعم أن الجميع شارك فيها أيضا.

وهي أجمل ثورة، لأنها تجاوزت كل ما يمكن أن يعرقلها بلا طائفية. وكان واحدا من أجمل مشاهدها مشهد المصريين المسلمين وهم يصلّون بحماية أشقائهم المسيحيين، من دون أي ادّعاءات أو افتعال أو تمثيل، فهذه هي مصر عندما تتحدّث عن نفسها بلهجتها المحبّبة، وبلغتها الفصيحة، وبروحها.

وهي أجمل ثورة، لأنها أول ثورة تكنولوجية في تنظيمها، وفي تداعياتها أيضا.

وهي أجمل ثورة، لأنها أيضا ثورة خفيفة الدم، رغم كل الدماء التي سالت من أجساد الشهداء، فقد توشّحت بالنكتة الحارقة، في كل تطوّراتها. وكنت أتابع بعض شباب الميدان في رسائلهم القصيرة على فيسبوك وتويتر، وأعجب من قدرته على صنع النكتة بسرعة فائقة.

هي أجمل ثورة بالفعل، وعليها أن تبقى جميلةً، فتترفع عن الثارات الصغيرة والحسابات الضيقة.. كالعادة في مثل هذه الأحوال".. والإجابة واضحة!