ألوان روسية تركية في الخريطة السورية

ألوان روسية تركية في الخريطة السورية

27 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

يحسم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بعد غد الأربعاء، التوقعات المتناقضة عن لقائه بالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان. فبين متفائل بالدور التركي في حل الصراع في سورية لمصلحة المعارضة الموالية لهم في إدلب ومناطق غصن الزيتون ودرع الفرات ونبع السلام، ومن يرى أن العلاقات الروسية - التركية في تحسّن مستمر على حساب مصالح الثورة السورية، وأيضاً على حساب المعارضة بمختلف تبعياتها الإقليمية، بما فيها المتهمة بالتبعية المطلقة لحكومة أنقرة، حيث كسبت روسيا مختلف الجولات التفاوضية منذ بداية تدخّلها العسكري في سورية 2015 إلى جانب النظام السوري، وحتى آخر لقاء بين الزعيمين، ووضعت خلال اللقاءات خططا عملياتية مرحلية لاستعادة سيطرة النظام السوري على معظم الأراضي، بدءا من استعادة حلب 2016 وريف دمشق وقضم بعض القرى والمدن في إدلب لاحقاً، حتى فتح المعابر وتفعيل حركة المرور على الطرق الرئيسية M4 وM5L وصولاً إلى درعا وإطباق الحصار عليها.
واللافت في لقاءات القمة الثنائية بين الجانبين أنها تأتي في أعقاب توترات وعمليات عسكرية واسعة الأهداف المعلنة، ثم تنتهي بعد عشرات الضحايا السوريين ببيانات مشتركة روسية - تركية، ثم يحقّق من خلال ذلك النظام السوري الذي تدعم عملياته العسكرية روسيا خطوة إلى الأمام، في عملية تقليص مساحات المعارضة. ومع كل لقاء يمكن رصد تغير خريطة سورية، وتموضع القوات المتصارعة فيها من الروسية إلى الإيرانية والتركية، وكذلك الأميركية، عبر تغير تموضع القوات الكردية المدعومة منها، وما نتج عن هذه اللقاءات من تسوياتٍ، بدءا من مقايضة حلب بعملية غصن الزيتون التي كانت فاتحة أعمال الجيش التركي رسمياً داخل الحدود السورية، وصولا إلى عمليتي غصن الزيتون ونبع الفرات.

تأتي زيارة أردوغان سوتشي وسط تصعيد من قوات النظام وتصريحات نارية من مسؤوليه، وتحرّكات وتموضعات جديدة للقوات التركية

ويمكن ملاحظة أن العمليات التركية في سورية لم تلق اعتراضاً روسيا عليها، لأنها تقع ضمنياً مع خصومٍ ترى موسكو أن إزاحتهم من الطريق يمهّد لها أجواء تفاهمات دولية، سواء مع تركيا التي يسهل على موسكو الوصول إلى اتفاقياتٍ مستدامةٍ معها، أو مع الولايات المتحدة التي لم تُبد، في أي مرّة، انزعاجها من تغير خريطة سورية السيادية على يد القوات التركية، على الرغم من أنها كانت في العمليتين التركيتين، "درع الفرات" و"نبع السلام"، على حساب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من الإدارة الأميركية، في حين كان شعار العملية الأولى (درع الفرات) طرد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من ريفي حلب الشمالي والشرقي، ما يعني أنها كانت عمليات تحت الغطاء الروسي من جهة، وتحت الغطاء الأميركي الصامت من جهة ثانية.
وتأتي زيارة أردوغان سوتشي وسط أجواء زياراته السابقة بما يتعلق بالوضع السوري، تصعيد من قوات النظام وتصريحات نارية من مسؤوليه. وعلى الجهة المقابلة، تحرّكات وتموضعات جديدة للقوات التركية، بما يوحي بقرب نشوب حربٍ كالتي جرت في بداية العام الماضي، وانتهت باتفاق وقف إطلاق نار توصل إليه الرئيسان في 5 مارس/آذار 2020 وتم الاتفاق فيه، إضافة إلى وقف إطلاق النار، على تبنّي قرار الأمم المتحدة بشأن تصنيف المنظمات الإرهابية، ومنها تصنيف جبهة النصرة التي تسيطر في شمال غرب سورية على نحو 75% من مناطق إدلب الخارجة عن سيطرة النظام.

لا ترى تركيا في موسكو خصماً لها في سورية، وكذلك الحال مع إيران، تراها منافسا لها على المصالح

لا يمكن فصل ما تم تسريبه من لقاء بوتين بالرئيس السوري بشار الأسد، أخيرا في موسكو، أن "المشكلة في سورية هي بسبب وجود القوات الأجنبية غير الشرعية"، عن ما يحدث من تحرّكات القوات السورية وتصريحات وزير الخارجية، فيصل المقداد، في هذا الشأن. ما يعني أن روسيا ترى ضرورة تحريك خطوط خارطة سورية من جديد، وفق استراتيجيتها التي اعتمدتها مع كل تقدّم في علاقاتها مع تركيا، وهي بذلك تستثمر مجموعة متغيرات في الواقع الدولي، منها تأزّم المجتمع الأوروبي من موجات اللجوء، وهي الورقة التي يستخدمها أردوغان في وجه أوروبا أيضاً، ومنها الصمت الأميركي تجاه الخطوات الروسية لتفعيل الحوار بين "قسد" والنظام السوري، وعدم وجود خطوط واضحة للدور الذي تريده إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، في سورية، والأهم واقع اقتصاد تركيا وأمنها وحاجتها إلى موسكو كعكازة تسندها عند التقلبات الأميركية تجاهها.
ولا ترى تركيا في موسكو خصماً لها في سورية، وكذلك الحال مع إيران، تراها منافسا لها على المصالح. وبالتالي، من شأن التوصل معها إلى اتفاقٍ مرضٍ أن يجعل رسم الخريطة السياسية والجغرافية (النفوذ) أسهل على كل الأطراف المعنية، فليس من مصلحة تركية في الدفاع عن "سلاح أمير النصرة أبي محمد الجولاني" في إدلب، على الأقل تنفيذاً لاتفاق مارس 2020. ولكن أيضاً لن يكون تسليم إدلب بالحدود التي يطلبها النظام أمرا سهلا، وليس في متناول أردوغان كاملاً، وهو ما يمكن استشرافه من تحرّكات أمير "النصرة"، أخيرا، سواء بلقاءاته مع الأميركيين أو مع الأتراك. لهذا فإن وسطية الحل تقتضي باتفاق مرحلي يأخذ فيه النظام مناطق استراتيجية في إدلب، بينما تستعد تركيا لتغيير جديد في طبيعة تجمعات الفصائل المسلحة المحسوبة عليها في إدلب ومناطق نفوذها، وفي تسمية هذه التجمعات.

يعمل أردوغان على تخفيف استفادة معارضته من حدّة الغضب الشعبي في الموضوع السوري، من خلال تنظيم رؤية جديدة للحل السوري مع حليفه الروسي

ويمكن أيضا الربط بين حديث رئيس النظام عن لامركزية سورية الذي يظن الكرد أنه جاء تلبية لمطالبهم لعقد تفاهات مع دمشق برعاية روسية، بينما هو يدخل كذلك في صميم المصلحة التركية المستقبلية، في حال سمحت روسيا والولايات المتحدة لأردوغان بأن يقوم بحملته العسكرية في سورية "الأخيرة" ضد مناطق "قسد" التي تقع على حدودها الجنوبية، ما يجعلها في مأمنين: ضمان إبعاد الكرد، وعدم تواصلهم الجغرافي مع أراضيها، وضمان بقاء حلفائها السوريين في مناطق تخضع لحكمهم ضمن سورية "لامركزية"، حيث يشكلون اليوم الأكثرية العددية والقوة الاقتصادية، وكل ما يحتاجه الأمر تعويم مسودة مشروع الدستور السوري التي أعدّتها موسكو في عام 2017، وقدّمته للمعارضة السورية في أول اجتماعات مسار أستانة التفاوضي.
يمكن للقاء المرتقب أن يحمل مفاجآت عديدة للسوريين، لما يحمله من مقايضات لملفات خارجية، ستكون الألوان الجديدة لخريطة سورية ثمناً لها، وذلك لا يعيب تركيا، الدولة المثقلة بالعدد الكبير للاجئين السوريين على أراضيها، والتي تعمل للحفاظ على مصالحها في وجه أزمةٍ دوليةٍ عامة، كما يعمل أردوغان على تخفيف استفادة معارضته من حدّة الغضب الشعبي في الموضوع السوري، من خلال تنظيم رؤية جديدة للحل السوري مع حليفه الروسي، قبل أن ينضم لهما الشخص الثالث الذي استبعده، عندما أكّد أنه اجتماع ثنائي لا ثالث فيه، ولكن الأمر برمته يعيب من سلم قراره واستسلم لما تمليه عليه أجندات الداعمين على الجانبين، النظام والمعارضة، الغائبين والمغيبين، عن مناقشة مصير دولتهم وشعبهم.