أفريقيا ولعنة الانقلابات

24 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 02:39 (توقيت القدس)
+ الخط -

هل أفريقيا ملعونة دستورياً؟ أليست في نهاية المطاف قارّة الشكوك والآمال الخائبة دائماً؟ يستحق السؤالان الطرح، لأنه بعد أن شهدت حكم الأنظمة العسكرية، ثمّ أعلنت بحماسة الديمقراطية والتعددية الحزبية، يبدو أنها (خلال العقدَين الأولَين من القرن الحادي والعشرين) مصابة بمتلازمة استوكهولم، راضية عن إملاءات الجيش. وبعد سلسلة الانقلابات المتتالية في مالي والنيجر وتشاد وطوغو وبوركينا فاسو ومصر وتونس، ها هي تشهد انقلاباً جديداً، هذه المرّة في مدغشقر.

تبدو أفريقيا اليوم (خصوصاً الفرنكوفونية منها) في أغلبيتها الساحقة حقولاً من أطلال الديمقراطية، إذ تُخلِّي تدريجياً عن كل المنجزات والخطوات الجادّة التي اتُّخذت لتعزيز الديمقراطية. لقد أصبحت في أحسن الأحوال متحفاً للتأمل في القيم الديمقراطية، لأن ما بقي من إصلاحات كان لها غالباً آثار شكلية فحسب.

وأثارت حركة الحقوق والحريات التي اجتاحت القارّة في نهاية القرن العشرين، وتعزّزت بتحوّلات كبرى في بداية القرن الحالي، آمالاً كثيرة، فبجعل الانتخابات أساساً للشرعية السياسية، ساد الاعتقاد بأن خطر الانقلاب الذي كان يُعتبر سابقاً الوسيلة الطبيعية لخلافة الرئاسة في "دول الثكنات" الناشئة، كما كانت تُسمى آنذاك، قد تلاشى. علاوة على ذلك، بدأ مشروعٌ لترسيخ القانون (القانون الدستوري تحديداً)، وبناء مؤسّسات تشريعية تعدّدية وهيئات انتخابية مستقلّة. ذلك كلّه انهار فجأة تحت وطأة الانقلابات المتتالية، بعضها عسكري فجّ وبعضها الآخر دستوري حين تخفّى العسكر في الزاوية خلف حاكم مدني يتحرّك وفق أوامرهم ونواهيهم.

أصبحت نظرية مونتسكيو عن فصل السلطات، إلى جانب نظرية روسو في التمثيل النيابي، المبدأ التوجيهي الحاسم للإنشاءات الدستورية. ولكن هذه النظريات قُوِّضت في الفضاء الأفريقي الناطق بالفرنسية من خلال اللجوء المتكرّر (والمتواصل) إلى الانقلاب، ممّا أدى إلى دقّ ناقوس الموت لانتقال السلطة الطبيعي إلى قمّة الدولة، وهو الانتخابات. لا توجد في الواقع حركة تمرّدية من دون قدر من ارتباك السلطة. وبهذا المعنى، إذا استثمر الانقلابيون أنفسهم من وجهة نظر قانونية وسياسية في السلطات التنفيذية والتشريعية للدولة التي يحتكرونها، فالأزمات السياسية والاجتماعية التي شهدتها الدول الأفريقية وحالة التنازع الحزبي أحياناً وخروج الجماهير إلى الشارع احتجاجاً على الفساد، كانت المدخل لتقويض التحوّلات الديمقراطية الناشئة. المشكلة أن الجماهير التي تظاهرت ضدّ الحكم المدني أدركت لاحقاً، وبشكل تدريجي، أن النظام الانقلابي لن يغير شيئاً من واقع الفساد والبطالة والتفاوت الطبقي، ولكنّه سيكتفي بإلغاء منظومة الحقوق والحريات التي كانت موجودةً على ضآلة قيمتها. وهكذا تجتمع عليهم ثنائية الفساد والاستبداد، ما يعني عودة مؤشّرات العنف والفوضى، ولو بعد حين.

في الماضي، كان اقتحام الجيش للحياة السياسية مبرّراً. كان يُعتقد أن هذه الظاهرة جزء من الممارسات الدستورية في أفريقيا. علاوة على ذلك، ساهم موقف المجتمع الدولي في تعزيز هذا الاعتقاد. لكن أمل نهاية الانقلابات لم يكن سوى حلم زائف. يُذكّرنا ما جرى في مدغشقر، وما صاحب الانقلاب من قرارات لحلّ المؤسّسات الدستورية، بأن الجيش لا يزال يمارس وصايته على المؤسّسات الجمهورية. يُعد هذا الشكل من "الحماية العسكرية" ذا أهمية بالغة نظراً إلى القضايا الجيوسياسية المرتبطة بالتمرّدات الداخلية وحروب الحدود وغيرها من النزاعات على الموارد الطبيعية، بالإضافة الى خدمة أجندات دولية تخدم مصالح الدول الكبرى التي لا ترغب في وجود برلمانات مستقلّة ولا في حرية تعبير في الدول الخاضعة لنفوذها.

في بعض الأحيان، ربّما لا يقدّم موقف السلطات الدستورية أيَّ بديل سوى الانقلابات. وهو ما يُفسِّر الترحيب المؤقّت بالانقلابات كما جرى في بوركينا فاسو وتونس وحتى مدغشقر. وصحيح أن بعضهم رأى في تدخّل الجيش وسيلةً للتنمية الاقتصادية و/ أو التحديث السياسي (انقلاب 1952 في مصر) لكن في الواقع، وفي معظم الحالات، تُرسي الانقلابات العسكرية أسس عدم الاستقرار المؤسّسي. ولا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك. ويصاحب هذه التجارب دائماً إلغاء الدستور، أو على الأقلّ تعليقه تمهيداً لتعديله. في الواقع، يُطيح الانقلابُ المؤسّساتِ والدستورَ، ثمّ تبدأ فترة انتقالية، يمكن وصفها بالاستثناء، يُضحَّى فيها بالحريات وحقوق الإنسان باسم بقاء النظام. وأخيراً، ولأنها "إرادة الشعب "، ينتهي الأمر بالانقلابي إلى خلع ملابسه الرسمية. وبتلاعبه بالدستور للحفاظ على سلطته، يُهيئ الظروف لحالة جديدة من عدم الاستقرار المزمن. ... ولسوء الحظ، الظاهرة مستمرّة.

B4DD7175-6D7F-4D5A-BE47-7FF4A1811063
سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات. وله كتب قيد النشر.