أفريقيا .. عندما يعمّر الرؤساء في السلطة

10 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

شهدت عدة دول أفريقية انتخابات رئاسية، على مدار العام الجاري (2020)، فانتشار فيروس كورونا في القارة السمراء لم يمنع معظم الدول من إجراء الانتخابات في موعدها، وحتى نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، نُظمت تسعة استحقاقات من أصل 11 المقرّرة هذه السنة. حرص شديد على التقيد بالمواعيد، قد يوحي بتشبّع الحكام الأفارقة بقيم الديمقراطية، والاتجاه نحو إقامة قطيعةٍ مع الصراع والاضطراب السياسي الذي طبع القارة منذ ستينيات القرن الماضي.

ولكن مجريات الأمور، في بعض الدول، كانت على النقيض من ذلك، بعدما أصرّ قادتها المتمسكون بزمام السلطة على إفقاد الممارسة الديمقراطية ركيزة أساسية؛ تتمثل في الانضباط لقاعدة التداول السلمي على السلطة. خرقا لتلك القاعدة، لم يتردّد حكّام تجاوزوا مدة حكمهم في القيام بممارساتٍ غير قانونية، لضمان بقائهم في السلطة؛ من خلال التأثير على الهيئات المشرفة على الانتخابات (المحكمة العليا أو لجان الانتخاب)، أو عن طريق ملاحقة رموز المعارضة ومنعها من المشاركة في الانتخابات، أو عبر تعديل الدساتير المعمول بها، على الرغم من أنف المعارضة السياسية والاحتجاجات الشعبية.

أصرّ القادة المتمسكون بزمام السلطة على إفقاد الممارسة الديمقراطية ركيزة أساسية؛ تتمثل في الانضباط لقاعدة التداول السلمي على السلطة

استغلّ القادة الأفارقة انشغال دول الاتحاد الأوروبي بالمشكلات الداخلية (كورونا، الأمن، الهجرة، التطرّف ..)، ولا مبالاة الولايات المتحدة الأميركية؛ في فترة حكم رئيس لديه "ديكتاتور مفضل"، إذ لم تعد واشنطن تطالب بالكثير، عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان والديمقراطية، فتلاعب هؤلاء بالقواعد عن طريق تغيير الدساتير، لضمان بقائهم في السلطة؛ فذلك يعني "تصفير" عدد ولايات الرؤساء الحاليين، حتى يتسنّى لهم خوض الانتخابات من جديد.

تكشف إطلالة سريعة على نتائج الاستحقاقات التي أجريت، أن وجوها كثيرة لم تغادر رأس الحكم في الدول الأفريقية، بعدما تحوّل أصحابها إلى رؤساء معمّرين، يرفضون التخلي عن السلطة، بعد نهاية فترتهم الرئاسية، ففي شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تمكّن الرئيسان، الغيني ألفا كوندي والإيفواري حسن واتار، من الظفر بولاية رئاسية ثالثة، وقبلهما بأشهر قليلة، فاز فور غناسينغبي بولاية رابعة في رئاسة جمهورية توغو؛ الدولة الصغيرة في غرب أفريقيا، المحكومة بقبضة حديدية، منذ عام 1967، من آل غناسينغبي.

نجح هؤلاء في تكرار سيناريو قديم، أدخل سبعة قادة في أفريقيا، في خانة أطول الرؤساء حكما، على الصعيد العالمي، فتعديل الدستور أضحى حائطا قصيرا، نجح رئيس غينيا الاستوائية، تيودورو أوبيانغ نغويما، حاكم البلد منذ 1979، في تخطّيه سريعا. وسار على نهجه الأوغندي يوري موسيفيني، بعد أن راجع الدستور مرّتين؛ ليسقط البند الذي يحدّد سن المرشحين للرئاسة، بعدما ألغى، في تعديل سابق، تحديد الفترة الرئاسية بولايتين، ليمهد الطريق أمامه للترشّح في انتخابات العام المقبل. استطاع رئيس تشاد، إدريس ديبي، باتباع الأسلوب نفسه، أن يبقى في الحكم ثلاثة عقود، منذ انقلاب عام 1990. وشهدت ناميبيا مع الرئيس سام نجوما؛ أول رئيس افريقي ينتخب ديمقراطيا خلال عقد التسعينات، ردّة عن الديمقراطية، بعدما مدد الرئيس لنفسه فترة رئاسية ثالثة. وظل رئيس جيبوتي، إسماعيل عمر جيله، الذي أمضى في السلطة 17 عاما من دون أي عوائق قانونية أو دستورية.

تُجرى في غرب أفريقيا ستة انتخابات رئاسية، يرغب كل حكامها في استمرار سلطتهم في الحكم، باستثناء رئيس النيجر محمد إيسوفا

صارت الانقلابات التي كانت منتشرة في أفريقيا، في سبعينيات القرن الماضي وثمانيناته، أثرا من الماضي، فقد شهدت القارّة، في الخمس سنوات الأخيرة، تزايدا في أعداد عمليات الانتقال السلمي للسلطة (ليبيريا وغانا وسيراليون ..). وكان ذلك من ثمار تحرّك الاتحاد الأفريقي لقطع الطريق أمام الانقلابات العسكرية، بعد إقراره جملة آليات ترمي إلى حماية القادة الأفارقة، وتُبقي الجنود في الثكنات بعيدا عن السياسة.

يبدو أن أوان تدخل الاتحاد الأفريقي مجدّدا قد حان لمواجهة مشكلة الرؤساء المعمّرين في في السلطة في القارة، بعد تنامي هذه الظاهرة. على سبيل المثال، تُجرى في غرب أفريقيا ستة انتخابات رئاسية، يرغب كل حكامها في استمرار سلطتهم في الحكم، باستثناء رئيس النيجر محمد إيسوفا الذي سيدشن، بانتهاء ولايته الثانية، انتقالا سلميا للسلطة في البلد. بات لزاما على الاتحاد اليوم استئناف جهوده لإقرار حظر قارّي لأكثر من ولايتين رئاسيتين. يُذكر أن هناك محاولة بهذا الشأن عام 2007، في مشروع الميثاق الأفريقي بشأن الديمقراطية والانتخابات والحكم الرشيد، لكنها واجهت حملةً قويةً من أوغندا، أفضت إلى إسقاط هذا البند من الميثاق. 

وجوه كثيرة لم تغادر رأس الحكم في الدول الأفريقية، بعدما تحوّل أصحابها رؤساء معمّرين، يرفضون التخلي عن السلطة

أبدت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) رغبة قوية، ضمن مساعي تعزيز الديمقراطية في الدول الأفريقية، في حصر مدة حكم الرئيس في ولايتين، لكن المقترح قُوبل في عام 2015 برفض قوي، من غامبيا إبّان حكم الرئيس يحيى جامع، وتوغو التي لا يحدّد دستورها حينها عدد ولايات الرئيس. لكن الهيئة الإقليمية عزّزت سمعتها، بعد سنتين على هذه المحاولة، من خلال دورها في الحفاظ على المعايير الديمقراطية في المنطقة، بتسهيل رحيل الديكتاتور الغامبي عن الحكم، بعد هزيمته في اقتراع عام 2017.

عمل بعض القادة الأفارقة على التهرّب من التقيد بفترات الولاية، مستغلين معطىً خارجيا، مرتبطا بالتراجع الديمقراطي، أمام المد العالمي لتيارات الشعبوية وقوى اليمين المتطرّف. ومعطى داخليا، يتعلق بطبيعة اللعبة الديمقراطية في السياق الأفريقي، يحتّمان على الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا وباقي المنظمات الإقليمية مضاعفة الجهود لتثبيت الفترات الرئاسية في اثنتين؛ فهذا الحظر القارّي هو السبيل الوحيد الذي بإمكانه مَنْع المناورات القانونية المحلية، ودفن شبح الرؤساء مدى الحياة. وبمجرّد تأكيد هذا القيد، سيكون بمقدور الاتحاد الأفريقي معاقبة أو حتى إبعاد الدول التي لا تلتزم بذلك.