أغاليط مشاهير سناب

05 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

لم أستغرب أبدا حجم الخداع الجماعي الذي مارسه كثيرون ممن يسمّون مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، وكشفته أخيرا منصة سناب، عن غير قصد منها ربما، بعد تحديثها الجديد، والذي أضافت فيه خاصية جديدة إلى خدمتها، إظهار عدد متابعي هؤلاء المشاهير في صفحاتهم على المنصّة، وهي خاصية قابلة للإلغاء من المشهور نفسه إن أراد. 

سارع كثيرون من هؤلاء فعلا إلى إلغاء تلك الخاصية، بهدف إخفاء الأعداد الحقيقية لمتابعيهم، خصوصا أنهم خدعوا هؤلاء المتابعين وغيرهم، بمضاعفة تلك الأعداد مرّات ومرّات على غير الحقيقة، ما ساهم في جذب المعلنين إلى حساباتهم، وبأرقام كبيرة جدا. 

وعلى الرغم من كثرة منصّات التواصل الاجتماعي، وتنوع ما تتميز به كل واحدة منها من خواص معينة، بقيت منصة سناب شات المفضلة لمشاهير "الغفلة" الذين استمرأوا استغفال متابعيهم، اعتمادا على ما توفره تلك المنصة من إمكانية التصوير المستمر للحياة، مع الاحتفاظ بخصوصية الحساب نفسه، فهي تكاد تكون المنصّة الوحيدة التي تخفي عن المتابعين تفاصيل الحساب المتابع، فلا أحد يعرف من يتابع من في هذه المنصّة، ولا كم عدد المتابعين مثلا، ما سهل على مشاهير كثيرين الكذب، فأعلنوا عن أرقام مليونية لمتابعيهم، قبل أن تتخلى تلك المنصة عن أهم ما يميزها لدى هؤلاء المشاهير في تحديثها أخيرا.

يشفّ الأمر، على بساطته البادية، عن حجم بحيرة الزيف التي وجدنا أنفسنا جميعا نسبح فيها، فمنا من غرق في أعماقها، ومنا من نجا، أو ما زال يحاول النجاة، ومغريات الغرق كبيرة جدا بالنسبة للمراهقين تحديدا، وهم الفئة المستهدفة من هؤلاء المشاهير الكذابين، والذين تعمّدوا إشاعة نوع من السلوك الغبي المعتمد على مزيد من الاستهلاك المادي، ولا شيء غيره!

سلوك استهلاكي بشع أصبح سمةً لمجتمعاتنا الراهنة، خصوصا أن هذه السمة ساهمت في الضغط على الأسر بما أثقل كاهلها، وبالتالي جعل كثيرين من أفرادها يعيشون في دوامةٍ من الضغوط النفسية والقلق الناتج عن الشعور بالدونية المجتمعية، وهم يرون أنفسهم أقل بكثير في مستوى المعيشة والحياة لدى الآخرين حولهم. 

لقد روّج كثيرون من هؤلاء المشاهير نمطا معيشيا غير حقيقي أنه هو الحقيقي، وهو السائد، وهو الشكل المتوسط للحياة في الوقت الراهن. وهذا ترويج للزيف على حساب الحقيقي، فما فعلوه ويفعلونه، مقارنة بمخرجات الفن التمثيلي، على سبيل المثال والمقارنة، لا يمكن قبوله صورة للحقيقة، ففي حين تقدّم الأعمال السينمائية والتلفزيونية أمثلة واقعية، مهما بلغت مثاليتها المتطرّفة أحيانا، إلا أنها تبقى في الوعي الجمعي لدى الصغار والكبار مجرّد فنون، أو تمثيل، ونحن نستقبله ونتقبله على هذا الأساس، ووفقا لهذا المعيار من التقبل. أما ما يصوّره مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، ممن اشتهروا بلا شيء يذكر سوى تصوير ما يقولون إنه يومياتهم في الحياة، فهو مختلفٌ تماما، في مستوى وطريقة استقباله وتقبله، وخصوصا من المراهقين والشباب. 

هنا، أي في تلك المساحة المكانية والزمانية الشاسعة، والتي تقدّمها منصة سناب، في امتداد أفقي ورأسي غير مسبوق لهم، حياة، كما تبدو طبيعية جدا، لا مجال للتمثيل فيها. والخطورة الحقيقية تكمن في تلك الأغلوطة، فعلى الرغم من أن تلك الحياة المصوّرة والمشاعة علنا بدقائقها المغرية تبدو طبيعية وعفوية جدا، إلا أنها في الواقع مجموعة من الأغاليط التي يتعمّدها من يصوّرها، ليساهم في صناعة كذبة كبرى لحقيقة الحياة اليومية المعتادة، هدفا للمقبلين على تلك الحياة، ولأنهم لا يستطيعون تمثلها في واقعهم، ينفصلون عن هذا الواقع بأشكال مختلفة، أكثرها شيوعا الكآبة والغضب المكتوم والنقمة على ما توفره لهم أسرهم من رعاية والبحث عن وسائل، غالبا غير مشروعة، للوصول إلى الصورة المشتهاة كما تبدو في حسابات المشاهير.