أعياد المقبرة

أعياد المقبرة

22 يوليو 2021
الصورة

(يزيد خلوفي)

+ الخط -

منذ سنوات قليلة، أصبحتُ أعدّ نفسي صديقة المقبرة. أزورها في أوقات الفرح، فأجدني وقد استعدت معنى الحياة تحت ظلال الموت. لم أكن، قبل رحيل والدتي رحمها الله، قد زرت مقبرة في حياتي، وكنت إن مررتُ بمقبرة المدينة التي أسكنها مصادفةً أشحتُ ناظريَّ، وأسرعت بخطواتي لأتجاوز المكان. لم أعرف عنوانها بدقة. ولذلك كنت أفاجأ أحياناً باللافتة المرفوعة فوق بوابتها الرئيسة، لتشير إليها، فيعتريني فزع خفيّ من سيرة الموت. لكنني عندما ودعت والدتي، وألقيت على وجهها النظرة الأخيرة في ضيافة المقبرة، أصبح ذلك المكان مألوفاً جداً بالنسبة إليّ. كنت بعدها أحاول استغلال كل فرصةٍ للذهاب إليه فأذهب. وكانت أعيادي تبدأ وتنتهي به، بالمكان الذي أصبح جميلاً وأنيقاً وهادئاً بأكوان القبور الرملية المتراصّة في نظام بارد. حفظت أماكن الشجيرات التي تناثرت هنا وهناك، لتحظى بظلالها بعض القبور دون غيرها، وتمرّنت على تمييز أصوات الطيور التي تحطّ عليها في لحظاتٍ خاطفةٍ كانت كافية لتأخذ منها لونها الباهت.

عندما رحل شقيقي رحمه الله قبل سنة تقريباً، ترسّخت مكانة المقبرة ذاتها في وجداني عنواناً أثيراً وضرورياً. سيكون عنواني الدائم حتماً، ولكنه حتى ذلك الوقت الآتي أصبح عنوان بهجتي المنتقاة في فرحة العيد، وبهجة كل مناسبةٍ تحيل إلى جغرافيات المقابر والطرق المؤدية إليها، وإنْ على سبيل المجاز أحياناً.

في زيارتي المقبرة أخيراً، صباح عيد الأضحى المبارك، بعد غياب شهرين تقريباً، اكتشفت أن الطريق إلى القبر الأول الذي اعتدت زيارته أصبح أكثر سهولةً ويسراً من ذي قبل. أمرّ بخفة بين القبور في دروب ترابية ضيقة حفظتها، حتى لم أعد أخشى، كما كنت في البدايات، أن تقع خطواتي المتعجّلة في واحد من القبور. حفظت الشواهد وأصبح أهلها أصدقائي الساكنين في هيبة الموت. أما تلك القبور التي فضّل ذوو أصحابها أن تبقى بلا شواهد، فقد كنت أميزها بالحدس وحدها، لتكون إشاراتي المستمرّة نحو طريقي إلى القبر الأول فالقبر الثاني.

لا طقوس خاصة بي في زيارة القبر سوى السلام النابع من قلب تورّم بالشوق والوله. أجلس لأتلو ما أجده يجري على لساني من آيات القرآن الكريم، بينما تنغرس أصابع بين حبيبات الرمل والحصى الأبيض التي تغطّي القبر.

كم يبدو الموت أليفاً عندما يحيط بمن نحبّ! وكم تبدو القبور أنيقة ومؤنسة عندما تحوي أجسادهم! كانت درجة الحرارة تتجاوز الأربعين، على الرغم من أننا ما زلنا في ساعات الصباح الأولى، عندما استشعرت برودةً حانيةً، تنبعث من قلب كومة الرمل التي تغطّي قبر أخي، لتربّتَ بحنانٍ بالغ أصابعي. ابتسمتُ قليلاً للفكرة، لولا أن شغلني نحيب ابنته بالقرب مني! لم تكتشف بعد، هذه الفتاة العشرينية، معنى أن يغيب عنا أحبابنا إلى الأبد، بينما هم بالقرب مني إلى الحد الذي نغمس فيه أصابعنا في ما يغطي أجسادهم من رمال!

تخليت عن فكرة البكاء منذ زيارتي الثانية للمقبرة بعد رحيل والدتي، ولم أعد أبكي لاحقاً. الغريب أن فرحاً خفياً يندفق في أنحاء روحي بمجرّد أن تقترب السيارة من بوابة المقبرة، فأكاد أشمّ رائحةً تشبه رائحة الشوق المستعر في أطراف الفؤاد.

الموت.. الفكرة الغريبة التي تنهي حياة بشرية كاملة لتكون الخاتمة، فلا تكون سوى البداية الحقيقية لهذه الحياة في وجود آخر. بعيد وقريب في الوقت نفسه، ولكنه وجود نهائي. الحياة ما زالت مجرّد عبور، والعبّارون ما زالوا يحتاجون هذه المقابر، ليؤكّدوا إيمانهم دائماً بتلك الحقيقة الكبيرة.