أعداء الداخل ووهم الإجماع
لا يوجد في عالمنا الحديث نظام استبدادي لم يستخدم مصطلح "أعداء الداخل"، بل يكاد يكون المشترك الرئيس بين معظم أنظمة الاستبداد. أعداء الداخل هم كل من يعارض النظام في هذا البلد أو ذاك أو لا يؤمن بشرعيّته، كل من يطالب بمسار سياسي واقتصادي معاكس لمسار النظام، كل من لا يخضع لآليات النظام ويطالب بالمواطنة ويناضل من أجل حقوقه. وحين يقرّر نظام ما اعتبار فئة أو فئات من المجتمع من أعداء الداخل لا يفعل هذا فجأة ولا عبثاً، بل عبر مسار ممنهج ومدروس من التهيئة والتعبئة النفسية والرمزية، والتي تبدأ باختراع سرديةٍ تخصّ هؤلاء وتلصق بهم تهماً من نوع التعامل مع الخارج والعمل لمصلحته، وتهديد الأمن والاستقرار، وعرقلة مسيرة البناء أو التطور، فيصبح وجود هؤلاء لدى باقي الفئات بمنزلة خطر وجودي، يتم نزع الإنسانية عنه شيئاً فشيئاً عبر اختزال مطالبه وسلوكه بصفاتٍ مثل الغدر والخبث والخيانة والكفر، بينما يحدُث ما يشبه التطهر للفئات الأخرى المؤيدة للنظام، ويُطلَق عليها صفات الوطنية والأمانة والصدق والحق والإيمان.
الأكثر خطورة في سردية أعداء الداخل هو التعميم على جماعاتٍ بأكملها، بحيث تصبح الاستثناءات المؤيدة للنظام هي التي تثبت قاعدة التعميم لا العكس، فتصبح هذه المجموعة كلها (هكذا) وأفرادها كلهم خبيثين وكفرة وخونة، وتاريخ هذه المجموعة (كله) يؤكّد عمالتها وخبثها وإجرامها، حتى رموزها الوطنية تتحوّل إلى رموز ملفقة في الوعي الجمعي للمجموعات المؤيدة للنظام. هكذا تتحوّل الجماعة إلى كتلة واحدة تجري شيطنتها تماماً، وتتحوّل في المقابل الجماعة المضادّة إلى كتلة واحدة تتم تبرئتها بالكامل، فيتم غض النظر عن مجرميها وخونتها وعملائها بعد أن جرت إعادة تدويرهم في عباءة هوية الجماعة وفي الوعيين، الجمعي والفردي، لها ولأفرادها.
في مقابل ذلك كله، تسعى أنظمة الاستبداد إلى إشاعة وهم الإجماع لدى مؤيديها، وتستخدم لذلك كل ما تملكه من أدوات ومؤسّسات ومنابر: الفن عبر إدارة خلفية له توجهه نحو الهدف، الإعلام بكل وسائله بما فيها الافتراضية عبر من يطلق عليهم لقب مؤثرين تختارهم بعناية، منابر المؤسّسات الدينية وخطب رجالها، مثقفون موالون لديهم مصداقية لدى جمهورهم، مناهج تعليمية تزور التاريخ كما يتناسب مع سردية النظام عن ذاته وعن أعدائه. وهم الاجماع هذا يصور الشعب كله متفقاً على شرعية النظام وأحقية منهجه ودعم مسيرته. أما المعترضون على ذلك فهم الخونة والشواذ عن القاعدة والمعطّلون للمسيرة والمسؤولون عن الأزمات الحاصلة في إدارة الدولة والاقتصاد والمجتمع، فهم السبب في الانهيار المعيشي والاقتصادي، وهم سبب الفوضى الحالية، وهم سبب الفشل في إدارة الملفات الداخلية، وهم سبب خطاب الكراهية المتبادل بين فئات الشعب، وهم سبب ارتفاع سعر صرف العملة والغلاء، هكذا يصبحون كبش الفداء للغضب الشعبي الذي بدلاً من أن يتوجه إلى النظام بوصفه المسؤول عن إدارة الملفات الداخلية، يوجه جماعاته نحو كبش الفداء هذا.
أما ما يحدث عند ترسيخ مصطلح أعداء الداخل فهو إيهام الجماعات المؤيدة بأن النظام حام لها ومدافع عنها ضد المعارضين المتعاملين مع العدو، بحسب الوعي الجمعي الذي جرى تشكيله، والتعامل مع العدو يتطلب مواجهة سوف تتخذ مسارات متتالية تبدأ بتطبيع الجماهير المؤيدة مع العنف الرمزي الممارس ضد هذه الفئات عبر السخرية من اللهجة والمعتقد والعادات والتاريخ والرموز، وعبر التشهير في الخطاب شبه الرسمي. وعبر الإقصاء عن كل ما يتعلق بإدارة البلاد. ثم يتخذ العنف شكلاً قانونياً يتمثل في الاستثناءات الدستورية، وفي قوانين مثل قانون الطوارئ، وفي ممارسات مقوننة بالغلبة المؤيدة. ويتخذ التطبيع مع العنف شكله ما قبل النهائي، عبر قمع هذه الفئات واعتقال كثيرين من أفرادها وتصفيتهم بطرق متعدّدة، وغضّ النظر عن استهدافهم من قبل مؤيدي النظام أو تسهيل ذلك بالسماح بتسليح المؤيدين واعتبار جرائمهم: حالات فردية. يتخذ العنف أخيراً شكله النهائي عبر ارتكاب مجازر عامة ضد هذه الفئات، بذريعة أن محاربة العدو الخارجي، تتطلب، أولاً، الخلاص من أعداء الداخل. هكذا يتم تفتيت المجتمع وتعزيز العداء والكراهية والخوف بين فئاته، بما يضمن بقاء النظام محميّاً بخوف وجودي لمؤيديه.