أشياء لا يمكن فعلها خارج أفغانستان

أشياء لا يمكن فعلها خارج أفغانستان

27 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

منذ سيطرة حركة طالبان على أفغانستان في أغسطس/ آب الماضي، تزداد محاولة استلهام نموذجها في دول عدة، خصوصاً في اليمن والعراق. في صنعاء، ردّد الحوثيون مراراً أنهم قادرون على فعل ما فعلته الحركة في كابول. وفي بغداد، تنظّم فصائل "الحشد الشعبي" صفوفها لمعركة ضد الأميركيين، في حال لم يتمّوا انسحابهم من العراق بحلول الموعد المتفق عليه في 31 ديسمبر/ كانون الأول المقبل. تاريخياً، اقتداء شعوب بمثال أعلى أمر طبيعي، خصوصاً إذا تشابهت الظروف المؤدّية إلى احتمال تطبيق هذا الاقتداء. في فيتنام مثلاً، دفعت مقاومة "الفييتكونغ" ضد الأميركيين والقوات الفيتنامية الموالية لها إلى نشوء مفهوم "مقاومة الأنفاق"، المطبّقة عربياً في جنوب لبنان وقطاع غزة، خصوصاً. في الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945)، استخدم الألمان مفهوم "الحرب الخاطفة" التي تبدأ بغارات جوية مكثفة ومتتالية بغرض إنهاك العدو، قبل الدفع بقوات برّية هائلة لحسم المعارك. لاحقاً، تحوّل هذا الأسلوب إلى عقيدة قتالية أميركية. في ستالينغراد أيام الاتحاد السوفييتي، نجح الزعيم جوزيف ستالين في الخروج منتصراً من معركته الخاصة مع الزعيم النازي، أدولف هتلر، بين 23 أغسطس/ آب 1942 و2 فبراير/ شباط 1943. الكلفة كانت باهظة للطرفين، إلا أنها باتت نموذجاً لحروب "الأرض المحروقة".
الآن، تطوّر نموذجا "الفييتكونغ" و"الحرب الخاطفة" و"الأرض المحروقة" تقنياً ولوجستياً، كما تطوّرت ردود الفعل تجاهها، لتستولد حالةً مستدامة من التعديلات التي ستؤدّي، بطبيعة الحال، بعد فترة، إلى حدوث تغيير جذري في جوهر النموذجين. بعد ذلك، يمكن البدء بإجراء مقارنة بين ما فعلته "طالبان" في أفغانستان وإمكانية تطبيقه في دول أخرى. في الأساس، تختلف أفغانستان والعراق واليمن مجتمعياً ودينياً وعرقياً وجيوبوليتيكاً. في كابول، الأولوية دائماً قبلية. في بغداد، الطائفية أقوى من غيرها. في صنعاء، يطغى المفهوم القبلي ـ المناطقي ـ الطبقي على ما عداه. في الجيوبوليتيك، لا يُمكن إيلاء الاهتمام الدولي لتلك البلاد، إلا بقدر الحاجة إلى مواردها. الأزمات الإنسانية المرعبة تتصدّر أفغانستان واليمن، فيما يشهد العراق أزمات مائية وكهربائية من حين إلى آخر.
في الأساس أيضاً، اتّخذت الحركة مساراً أكثر دبلوماسية في ظل اقتناعها بأنه لا بديل عن التفاهم مع الأميركيين، لتأمين ديمومة حكمها أفغانستان، خصوصاً أن الاهتزاز الأمني لم ينتهِ بعد، سواء بفعل هجمات "داعش"، أو تدخّل أجهزة استخباراتية إقليمية ودولية، أو بفعل غضب بعض القبائل والإثنيات. تدرك "طالبان" أن استقرار سلطتها ينطلق من رفع التجميد عن الأصول الأفغانية عشية شتاء بارد تقليدي.
في العراق واليمن، قد ينجح "الحشد الشعبي" والحوثيون في السيطرة عسكرياً على البلاد، هذا في حال إسقاط كل مقاومة ضدهما، لكن استمرارية هذا الحكم ستكون بالغة الصعوبة لسببين: الأول، أن حركة طالبان، المولودة اسمياً في عام 1994، مكوّنة من عناصر قاتلت لأسباب عدة، منذ سقوط الملك محمد ظاهر شاه في عام 1973. وعلى الرغم من هذه الخبرة، إلا أنها تعاني بشدة لترجمة سلطتها. لا يمكن هنا للحوثيين ولـ"الحشد الشعبي" التفكير في أنهما قادران على التحوّل إلى نموذج للسلطة أكبر من نموذج "طالبان".
السبب الثاني أن وصول "طالبان" إلى الحكم، حصل بتسهيل أميركي، لم تكن ممكنة ملاحظته في الفترة الأولى التي تلت انسحاب واشنطن، لكنه يظهر بوضوح حالياً، على وقع استمرار توجيه رسائل الحركة الودّية إلى الولايات المتحدة. الحوثيون و"الحشد" لم يصلا إلى هذا الحد بعد، على اعتبار أن قرارهما أقلّ استقلالية من قرار "طالبان".
هنا، يمكن تفكيك مفهوم التمثل بنموذج "طالبان"، والإدراك أن ما حصل في لحظة زمنية محدّدة في كابول، في 15 أغسطس/ آب الماضي، ليس أمراً مرشّحاً للتكرار. حتى أن كابول لا تشبه هانوي في 30 إبريل/ نيسان 1975، وصنعاء وبغداد لا تشبهان كابول. بالتالي، يجب أن يكون طيّ صفحة الاقتداء بالحركة حتمياً.