أسرى، فنّانون، جواسيس، مجرمون

16 يناير 2021
الصورة

(كارلوس ميريدا)

+ الخط -

أربعة مشاهد من ثلاث دول تتالت علينا في الشهر الأخير من عام 2020، والرابط بينها مجرّد خيط رفيع من ألم وحسرة وقهر يهدّ الجبال ويعتصر النفوس. في السابع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول، توفّي إلى رحمة الله تعالى المعتقل/ الأسير إسماعيل الشمالي في سجن السويداء المدني. وهو كاتب وروائي فلسطيني سوري، عاش في مدينة طفس من محافظة درعا، واعتقلته عام 1995 مخابرات نظام الأسد الأب وحكمت عليه بالسجن المؤبد من محكمة أمن الدولة، والتهمة حيازة وثائق تُضرّ بالمصالح العليا للدولة وبأمنها وتوهن عزيمة الأمّة. 

في التاسع والعشرين من الشهر ذاته، أفجعنا الموت باختطاف حاتم علي، إثر نوبة قلبية في فندق في القاهرة. وحاتم ابن الجولان المحتل، عاش وترعرع في مخيم اليرموك. ومن هناك عاصر تزاوج تجربتي النكبة والنكسة، فشبّ على تغريبة فلسطينية وشاب على ثانية سورية، وكان لهذه الخلفية الجنائزية انعكاسها في تفرّده وعظمته الفنيّة والإنسانية. لم يقتصر حضور حاتم على الوجدان السوري، بل طاف أرجاء الوطن الممتد من البحر إلى البحر، حاملاً على كتفيه إرث الفاروق عمر والأمويين في الأندلس، ولم يترك مأساةً بحجم فلسطين ومعاناة أهلها تفلت من بين أصابعه وتهرب من قلبه وأحداق عيونه.

مشاهد من ثلاث دول تتالت أخيراً والرابط بينها خيط رفيع من ألم وحسرة وقهر يهدّ الجبال ويعتصر النفوس

في الثلاثين من الشهر ذاته، وصل الجاسوس الأميركي الإسرائيلي، جوناثان بولارد، إلى تل أبيب، بعد أن قضى نحو 30 عاماً بين المحاكمة والسجن، وخمسة أعوامٍ من الإقامة الجبرية في الولايات المتحدة. كان محللاً في البحرية الأميركية، وقُبض عليه بتهمة التآمر بالتجسس لصالح إسرائيل، وأقرّ بالذنب وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ثم أُفرج عنه بشكل مشروط عام 2015، ومنع من السفر خارج أميركا. كان في استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، الذي لم يهنأ بمصافحة الجاسوس إلا بعد أن سجد الأخير مقبّلاً أرض المطار شاكراً جهود حكومات إسرائيل المتعاقبة للإفراج عنه، بعد أن منحته الجنسية الإسرائيلية.

قبل هذا كله، وفي الثلاثين من أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، أُطلِق سراحُ المجرم سليمان هلال الأسد من سجن السويداء المدني، واحتفل وأنصاره على الطريقة الأسدية بترويع محافظة اللاذقية جراء إطلاق العيارات النارية احتفالاً بالفاتح العظيم. كان سليمان الأسد قد قتل يوم 7 أغسطس/ آب 2017 العقيد في القوى الجوية السورية، حسان الشيخ، أمام زوجه وأولاده، لأنّ الأخير تجاوز موكبه بسيارته التي كان يقودها. حُكم على سليمان بالسجن 20 عاماً، وأطلق سراحه بعد خمسة أعوام فقط.

ما بين الشهيد إسماعيل الشمالي والمجرم سليمان الأسد شريط طويل من الألم والقهر والاستعباد.

ما بين الشهيد إسماعيل الشمالي والمجرم سليمان الأسد شريط طويل من الألم والقهر والاستعباد. إضافة إلى السوريين ومن في حكمهم، جمع حافظ الأسد ومن بعده وريثه، في معتقلاتهما وأقبية مخابراتهما من أتباع قومياتٍ وأجناسٍ وأديانٍ، ما لا يتصوّره عقلُ إنسان أبداً. وتربّع على قمّة هذا الخليط من البشر المقهورين الفلسطينيون واللبنانيّون، فهذا هو التطبيق الفعلي لشعارات الوحدة العربية عند الأب وابنه. ومن هنا، يبدأ طريق تحرير فلسطين. ومن هنا، تنطلق مسارات الأخوّة والصداقة والتعاون لشعب واحد في بلدين. يقضي آلافُ الأسرى من شباب منظمة التحرير الفلسطينية والأحزاب والحركات اللبنانية أيامهم تحت سياط الزمن والنسيان وسياط الجلادين من جلاوزة الأسد، والأمّهات ينتظرن عودة الغائبين، الزوجات، الأخوات، الأخوة، الأولاد والأحفاد ينتظرون أيضاً، ولا شيء يتغيّر أبداً، فالوجع مقيمٌ وسيستمر طويلاً على ما يبدو. 

بينما قبع إسماعيل الشمالي ربع قرن في السجن لرأي قاله بحافظ الأسد، ومات شهيداً في الختام، خرج المجرم سليمان محتفلاً بالنصر المبين على القوانين والأعراف والطبيعة والناس وكل شيء يبدأ بالمنطق وينتهي به. وبينما احتفى رئيس وزراء إسرائيل بالجاسوس جوناثان، ووقف فجراً في المطار بانتظار هبوط طائرته الخاصّة لاستقباله وتكريمه، سمح بشار الأسد لجثمان حاتم علي بدخول سورية، من دون أن يرفع عنه الطلب الأمني، وفي الوقت ذاته أشارت نقابة الفنّانين السوريين إلى وفاته دون أن تنعاه ولو بكلمة. وأنقلُ عن ميشيل كيلو ما كتبه تعليقاً على هذا الخبر: "نصُّ النعوة الحقيقي لنقابة الفنانين الأسدية: تزفّ نقابة الفنانين في الجمهورية الأسدية لمنتسبيها بشرى وفاة حاتم علي، الذي كان يعتقدُ أنّ الحريّة هي صنو الفن والحياة، فاستحقّ لذلك الشطب من جداول النقابة. وتهيب النقابة بأعضائها أن يشاركوا أوسع مشاركة في إيصال جثة حاتم علي إلى مثواه الأخير، ليتأكّدوا من أنه فارق حقاً الدنيا، وأن الأسدية تخلصت من إرهابي سوري آخر". هذه هي دولة الاحتلال الإسرائيلي العنصري، وهكذا هي سورية الأسد قلب العروبة النابض!

يبدأ طريق تحرير فلسطين بالنسبة للنظام السوري من اعتقال الفلسطينيين واللبنانيين من دون أن ينسى السوريين طبعا!

يُدرك جوناثان أنّه لم يهدر من عمره ثلاثين عاماً ونيّف بدون طائل، ويُدرك نتنياهو أن وقوفه بحضرة الجاسوس لن يضيع هدراً أيضاً. وكان إسماعيل الشمالي قد أدرك، عبر ربع قرن في تحمّل الإهانات وحفلات التعذيب بين أقبية فرع فلسطين وسجون صيدنايا وعدرا والسويداء، حجم المأساة التي عاشها ويعيشها السوريون والفلسطينيون واللبنانيون، وكلّ المعتقلين، وكلّ من ساقهم القدرُ تحت سلطة نظام الأسد ووريثه. كذلك أدرك سليمان الأسد أنّ هذه الدولة له، وهؤلاء العبيد عبيده، وهذه الثروات ملكه، وأنّ السجون لم تُبنَ من أجله، وإن زارها لحظة عابرة من الزمن، فإنها ستصبح مكان استجمام وسياحة له، لا مكان عقاب وتأديب.

يدرك العالم كلّه الفرق بين من يعمل جاهداً لصناعة دولة وهويّة من مجرّد وهم وأسطورة، ويصنع من الجواسيس أبطالاً ورموزاً وأيقونات، ومن يهدم أسس أمّة وحضارة عمرها آلاف السنين للبقاء على عرش من الجماجم وبحور من الدماء، صانعاً من الفنانين والأدباء حطاماً، ومن المجرمين قدّيسين.