أسبابٌ للقلق في الأردن
مقلقٌ، بل خطيرٌ، في الأردن، أن 63% من أهله يروْن الدولة تمثّل المواطنين جميعاً، ولكنها تميّز لمصلحة بعض الفئات، وأن 19% يروْن أنها لا تمثّل جميع المواطنين بالتساوي على الإطلاق، وأن 17% فقط يجدونها تساوي بين المواطنين من دون تمييز. يفيدنا بهذا "المؤشّر العربي 2025"، الذي أنجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وأُعلنت نتائجه الثلاثاء الماضي، ويُخبرنا بأن الأردن الثالث في تدنّي النسبة الأخيرة من بين 15 دولة عربية جرى فيها الاستطلاع الأكبر من نوعه، لكنه الأول في النسبة الأعلى ممن يروْن التمييز. ومع البديهيّة، أقلُّه في عُرف صاحب هذه الكلمات، إن الجماهير ليست بالضرورة دائماً على صواب، من البديهيّ، في الوقت نفسه، أنه شديدُ الخطورة شيوع "شعورٍ" عريض بين مواطني أي دولةٍ بأن ثمّة تمييزاً في تعاملها معهم شديد الخطورة. ذلك أن المسألة تتعلق بانتساب المواطن إلى دولته، وإلى مدى شعوره بأنه لا "ينعُم" بالمواطنة. والأردني، في الاستطلاع الضخم (معطياتٌ غزيرةٌ في قضايا بلا عدد) في بلده، الأكثر، من بين المواطنين العرب، ثقةً بمؤسّسة الجيش (96%)، وبالمخابرات (67% ثقة كبيرة، 18% ثقة إلى حدٍّ ما)، وهو الثالث بعد المواطن في قطر والسعودية ثقةً بالشرطة والأمن العام (69% ثقة كبيرة، 22% ثقة إلى حدّ ما). ما قد يجيز الذهاب إلى أن الأردني على تصالحٍ كبيرٍ مع الدولة، ويمحض مؤسّساتها العسكرية والأمنية أعلى درجات التقدير. سيّما وأن 54% يروْن مستوى الأمان في البلد جيّداً جداً، و38% يروْنه جيداً، وهذه النسب هي الثالثة بعد قطر والسعودية.
وبالقياس نفسه، أن يتوطّن في مدارك 46% من الأردنيين أن الفساد منتشرٌ جدّاً في بلدهم، و39% يروْنه منتشراً إلى حدٍّ ما، وأن يرى 33% الحكومة غير جادّة في محاربته، و29% يروْنها غير جادّة على الإطلاق، فهذا كله مريع، مع التذكير بالبديهيّة أعلاه، والتي لا وجوب لها في شأن 54% من الأردنيين يقولون إن دخولهم المالية لا تغطّي نفقات احتياجاتهم ويواجهون صعوبات (حالة عوز)، وهي النسبة الأعلى بين البلدان المستطلعة، وإن 43% يقولون إنها تغطّي نفقاتهم من دون أن يقدروا على توفير شيء، فيما 2% فقط يستطيعون التوفير. وعندما يصف 36% أوضاع أسرهم بأنها سيئة، و15% بأنها سيئة جداً، وعندما يقول 28% إن الحكومة غير جادّة في حل المشكلات، و34% يروْنها غير جادّة على الإطلاق، فذلك مما يؤشّر إلى اختلالٍ كبيرٍ في علاقة المواطن مع مؤسّسة الحكم والسلطة التنفيذية. ومن المفارقات هنا أنه فيما يرى 13% من الأردنيين أن الوضع السياسي في بلدهم جيد جدّاً، و56% يروْنه جيّداً (بجمع النسبتين تصبح النسبة عالية جداً)، يرى 36% الوضع الاقتصادي سيئاً و39% يروْنه سيئاً جداً.
هذه المعطيات، وكثيرٌ غيرها، أمام صانع القرار السياسي والاقتصادي، والأمني من قبل ومن بعد، في الأردن، الذي يستطيع الزهو بالرضى الشعبي العريض على الأمن والأمان، وأيضاً على الأداء السياسي (في العموم)، لكنه، في الوقت نفسه، مدعوٌّ إلى استنفار أجهزة الاختصاص والتسيير، وكذا وسائله الإعلامية (وهذه قضيةٌ أخرى)، ليس من أجل تزيين الصورة، وإنما للوقوع على كل الأسباب الظاهرة والخافية التي تجعل المواطن الأردني يُشهر شعورَه بأن تمييزاً حادثٌ في بلده، وبأن مؤسّسات الدولة لا تؤدّي واجبها في محاربة الفساد "المتفشّي". ومرّة ثانية (أو ثالثة)، ليست القضية في مدى صحّة هذا الكلام واقعياً، بل في الإحساس الواسع به بين عمومٍ عريضٍٍ من ناس البلد. وعندما ينشط الكلام الرسمي عن تحديث سياسات، وعن حياةٍ حزبيةٍ حقيقيةٍ يُطمَح إلى الوصول إليها، وعن انخراط المواطن في الشأن العام، عبر التمثيلات النيابية والأهلية والمدنية، يصبح مُقلقاً، أو خطيراً إذا شئت، أن يقول 42% من الأردنيين إنهم غير مهتمّين على الإطلاق بالشؤون السياسية في البلد، و26% مهتمّون قليلاً، و9% مهتمون جدّاً، و23% مهتمون إلى حدٍّ ما. وثمّة دلالةٌ في أن 1% فقط منتسبون لأحزاب.
ما ورد أعلاه شديدُ الاقتضاب من بين معطياتٍ منهجيةٍ ومهنيةٍ ومعرفيةٍ في شأن الأردن في "المؤشّر العربي" في دورته التاسعة. وقبل أن يفترض أهلُ القيل والقال بشأن هذه النسب ما قد يفترضون، يحسُن التوضيح أن جهةً بحثيةً أردنيةً نفّذت الاستطلاع في الأردن، ولكن تحت الإشراف الميداني لفريق المؤشّر العربي في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.