أسئلة مهرّبة ونقاشات تائهة
نعيش اليوم واحدة من أكثر اللحظات خطورةً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي؛ إذ انتقل المشروع الصهيوني من مرحلة "الدفاع عن وجود إسرائيل" إلى مرحلة الغطرسة والهيمنة، مدفوعاً باختلال موازين القوى إقليمياً ودولياً، وشعور بنيامين نتنياهو بأنّ الوقت قد حان لإكمال المشروع الإسرائيلي التاريخي: السيطرة على فلسطين بأكبر مساحة ممكنة من الأرض، وبأقلّ عدد ممكن من الفلسطينيين، تحت غطاء دولي وأميركي غير مسبوق. إنّ ما يجري في غزّة ليس مجرّد حرب انتقامية أو عملية عسكرية محدودة، بل حلقة في مشروع استراتيجي لإعادة رسم الخريطة السياسية والديمغرافية، وتصفية القضية الفلسطينية، بما يتجاوز حدود القطاع إلى الضفة الغربية والقدس.
ورغم هذه التحدّيات الوجودية، تنشغل النقاشات التي تدور في الإعلام العربي وأوساط النُّخب السياسية والفكرية بأسئلة من قبيل: هل أخطأت حركة حماس في عملية 7 أكتوبر (2023) أم أصابت؟ هل كان عليها أن تسلّم المخطوفين وتعلن وقف القتال لتجنيب غزّة هذه المقتلة التاريخية؟ أم أنّ التمسك بالمقاومة، مهما كان الثمن، هو الخيار الوحيد المتاح؟... هذه النقاشات تغرق أيضاً في جدل حول مسؤولية "حماس" عن انهيار الوضع الفلسطيني أو قدرتها على إنقاذ (أو على النقيض من ذلك تبجل) الحركة إلى مرحلة التقديس والتنزيه عن الأخطاء، وتذمّ خصومها وتتهمهم بأقذع التهم والشتائم. هي أسئلة مشروعة وضرورية، وهي جزء من التفكير النقدي الذي تحتاج إليه أيّ حركة تحررية. لكنّها تحوّلت في واقعنا العربي النقاشات الأساس التي تستنزف وعينا وطاقتنا، في وقت نحن أحوج فيه إلى ما هو أعمق وأكثر إلحاحاً: ما المطلوب فلسطينياً لمواجهة التصفية الخطيرة التي تتعرّض لها القضية؟ كيف نواجه الموقف الأميركي الذي منح إسرائيل تفويضاً مفتوحاً بالإبادة والتهويد؟ ما الذي يجب فعله لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس تتجاوز الانقسام وتستعيد القدرة على المواجهة؟
ليس الفلسطينيون وحدهم مطالبين اليوم بمراجعة الأسئلة والتساؤلات والنقاشات الراهنة، لتكون أكثر جدوىً وفائدةً في بناء مقاربة عربية لمواجهة هذا الفراغ الاستراتيجي العربي الفاضح. وللتأكيد مرّة أخرى أنّ المشكلة ليست في طرح أيّ سؤال، فهذا من حقّ أيّ إنسان؛ لكن توقيت الأسئلة والمفاضلة بينها في الأولوية والأفضلية وفيما يترتّب عليها من نقاشات. الأخطر من ذلك، أنّ هذه النقاشات انزلقت إلى مستويات غير صحية ومؤسفة من التخوين والتنابز بالاتهامات. فكلّ من يختلف مع هذا الطرف أو ذاك يُصنَّف إمّا خائناً وإمّا متواطئاً، وكأنّ الوطنية أصبحت مرهونةً بموقف من "حماس" أو السلطة أو غيرهما. مثل هذا المنطق لا يؤدّي إلى أيّ نتيجة مفيدة، بل يمزّق المجتمعات والنُّخب والدول، ويدفعنا إلى صراعات داخلية تُبعدنا عن التحدّي الحقيقي: المشروع الصهيوني، واختلال موازين القوى الذي يرسّخ هيمنة إسرائيل ويهدّد بتصفية القضية برمّتها.
إذا قارنا بالحالة الإسرائيلية (للأسف!) يتضح حجم الفارق. فعلى الرغم من الانقسامات العميقة والتباينات بين القوى السياسية الإسرائيلية، وحتى بعد إقالة مسؤولين كبار بسبب هجوم طوفان الأقصى، هناك التفافٌ حول "المصالح العليا"، وحول المشروع الصهيوني وأمن الدولة. النقد في إسرائيل ليس بديلاً من الإجابة عن الأسئلة الجوهرية: ما المطلوب؟ كيف نحمي مشروعنا؟ كيف نوقف التدهور ونمنع الانهيار؟ بينما نحن في العالم العربي نهرب، بوعي أو بغير وعي، إلى أسئلة هامشية وجدالات عقيمة تفتقر إلى الأولوية والمنهجية المطلوبة، ونقوم بتهريب الأسئلة الحقيقية والجوهرية، فنضيع في زحمة نقاشات وجدالات أيّاً كان جوابها لن يقدّم أو يؤخّر في مصائر ما نحن فيه من هوان وانزلاق كبير.
أيها السادة! التفكير في "السؤال نفسه" من أهم القضايا الجوهرية التي يجب أن نعيد النظر فيها. السؤال الخاطئ، أو غير المناسب في توقيته وأولويته، يقود إلى نقاشات وسياقات خطيرة وخاطئة، بينما السؤال الصحيح يفتح الطريق إلى مقاربات عملية تعيد توجيه السياسة والأدوات نحو الفعل والتأثير. لا تسمح اللحظة التاريخية بترف الانشغال بالأسئلة الخاطئة أو السجالات المُمزِّقة. المطلوب اليوم أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نبني مقاربةً قائمةً على طرح الأسئلة الصحيحة: كيف نصوغ استراتيجيات فلسطينية وعربية قادرة على وقف المقتلة في غزّة، ومنع التصفية في الضفة والقدس، واستعادة القدرة على التأثير في مسار الأحداث؟ هذا هو النقاش الذي يمكن أن يقود إلى الإنقاذ، لا جدالات التخوين أو المزايدات التي لا تغيّر من الواقع شيئاً. فهل نتوقّف قليلاً، لنعيد التفكير في الأسئلة المطلوبة، ونخرج من دائرة السجالات إلى أفق الفعل والعمل؟