أزمة مثلث السلطة في مصر

28 سبتمبر 2020
الصورة

صدرت في أواخر الشهر الماضي (أغسطس/ آب) دراسة بحثية تكاد تكوت قد تنبأت بالاحتجاجات التي تشهدها مصر منذ 20 سبتمبر/ أيلول الحالي. أصدرها مركز مبادرة الإصلاح العربي، ومقرّه باريس، تحت عنوان "مصر بعد فيروس كورونا: العودة إلى المربع الأول"، من تأليف ثلاثة باحثين، إسحاق ديوان، ونديم حوري، ويزيد صايغ. أهميتها في أنها تحدّثت بوضوح عن أزمات ما يمكن تسميته مثلث السلطة في مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، والقائم على أعمدة ثلاثة، وهي الإعتماد على رأس المال الأجنبي بالأساس في تنشيط الاقتصاد المصري وتحقيق النمو الاقتصادي، وعلى الجيش المصري في الحياة الاقتصادية بوصفه ذراعا اقتصاديا للرئيس وللنخبة السياسية الجديدة التي يحاول بناءها، واستخدام آلة قمع لا ترحم في وجه جميع أشكال المعارضة بشكلٍ أخلى الساحة تقريبا من المعارضين، بمختلف توجهاتهم. وتؤكد الدراسة على أن هذا المثلث في أزمة، وأنه أوجد استقرارا ظاهريا هشّا في جوهره، وأن الأزمة الاقتصادية الدولية الناجمة عن فيروس كورونا عرّته وكشفت حدوده، وأن من شأنها أن تستمر أعواما، فاتحة الباب أمام انفجار الفئات الواسعة التي سحقتها إصلاحات النظام الاقتصادية القاصرة في جوهرها، والعاجزة عن تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية، بسبب مثلث السلطة نفسه الذي اعتمده الرئيس السيسي منذ توليه الحكم بعد انقلابه في 2013 على تجربة الحكم الديمقراطي القصيرة التي شهدتها مصر بعد ثورة يناير في 2011. 
تشير الدراسة، في بدايتها، إلى حقيقة مؤسفة، أن الصادرات المصرية لا تتعدّى 30 مليار دولار، ثلثها صادرات غاز. وذلك في إشارة إلى فشل النظام المصري الحالي في تحقيق أي نقلة نوعية في هيكل الاقتصاد المصري وقدرته الإنتاجية، واعتماده بالأساس على مصادر تمويل غير إنتاجية، وفي مقدمتها القروض الداخلية والخارجية (أكثر من 120 مليار دولار دين خارجي) التي تضاعفت في عهده، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، وعائدات السياحة وقناة السويس، وكلها مصادر معرّضة للاهتزاز والتراجع بشدة، خلال العامين المقبلين على أقل تقدير، بسبب أزمة كورونا، والتي من شأنها أن تقوّض السياحة، وتفقد نسبة لا يستهان بها من العاملين المصريين في الخليج وظائفهم، وتضعف حركة الصادرات في قناة السويس، وتضعف قدرة دول الخليج على إقراض مصر والاستثمار السياسي فيها. أما القروض الدولية، كقروض صندوق النقد الدولي، بشروط اقتصادية عالية التكاليف على المواطن، وفي مقدمتها تخفيض سعر العملة المصرية، ما يؤدّي إلى تراجع قدرة المصريين الشرائية، وتخفيض الدعم الحكومي المتلاشي تقريبا. هذا بالإضافة إلى أن حاجة النظام الدائمة للاقتراض تؤدي إلى رفع سعر الفائدة لاجتذاب القروض الداخلية والخارجية، ومن ثم سحب السيولة من الأسواق، بدلا من التوسع في الإقراض والاستثمار.

مثلث سلطة السيسي عجز عن تحقيق التنمية منذ توليه الحكم بعد انقلابه في 2013 على تجربة الحكم الديمقراطي القصيرة 

وللأسف، تبنّى السيسي نموذجا اقتصاديا يقوم على جذب رؤوس الأموال الخارجية والمشاريع الكبرى غير الإنتاجية، وتجاهل تحسين ظروف معيشة المصريين وتشجيع الإنتاجية، وكأن المواطن مشكلة عاجزة عن الإصلاح، وأن الحل يأتي فقط من الخارج ومن أعلى. حيث أدّت إصلاحات السيسي الاقتصادية إلى تراجع مخيف في الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم والمرتبات الحكومية، فوفقا للدراسة، تراجع الدعم المقدم لمحدودي الدخل من 4.1% من الناتج القومي إلى 1.2%، وتراجع الإنفاق على الصحة والتعليم إلى 4.5% من الناتج القومي فقط، لذا كشفت أزمة كورونا عن مدى تردّي المرافق الصحية في مصر، وكيف هجر نصف الأطباء البلاد، وتراجعت المرافق إلى مستوياتٍ تتشابه مع الأوضاع في بلاد أفريقيا جنوب الصحراء، كما ذكرت الدراسة. كما تراجع الإنفاق على الرواتب الحكومية من 8% من الناتج القومي إلى 5%. في المقابل، زاد الإنفاق الحكومي على خدمة الدين العام إلى 10% من الناتج القومي. وبهذا تكون السياسات الحكومية قد أدّت عمليا إلى استقطاع الإنفاق على الصحة والتعليم والدعم وزيادة الإنفاق على خدمة الديون في المقابل.

تبنّى السيسي نموذجا اقتصاديا يقوم على جذب رؤوس الأموال الخارجية والمشاريع الكبرى غير الإنتاجية، وتجاهل تحسين ظروف معيشة المصريين وتشجيع الإنتاجية

تقول الدراسة أيضا إن من الأسباب الرئيسية في فشل الإصلاحات الإقتصادية التي يتبنّاها النظام المصري اعتماده المتزايد على الجيش في الاقتصاد، لأهداف سياسية بالأساس، في مقدمتها بناء نخبة اقتصادية جديدة غير نخبة حسني مبارك، وضمان ولاء رجال الإقتصاد الجدد للنظام. وللأسف، يؤدّي الإعتماد المتزايد على الجيش اقتصاديا إلى إجهاض تجربة الإصلاح الاقتصادي، لأن شركات الجيش لا تخضع لأي رقابةٍ عامةٍ تذكر، ولا يعرف عنها تاريخيا كفاءة اقتصادية أو إنتاجية عالية، تختلف عن شركات القطاع الخاص. وبسبب الحماية التي تتمتع بها وعدم الشفافية، تؤدّي مشاركتها في الاقتصاد إلى تراجع رؤوس الأموال الأجنبية عن الاستثمار في مصر إلا بعض رؤوس الأموال الخليجية التي تربط دولها علاقة قوية بنظام السيسي، كما تفيد الدراسة. وهذا بالإضافة إلى تراجع الدور الاقتصادي لنخب مبارك الاقتصادية، وللشركات العادية التي تعاني ضغوطا مضاعفة من شركات الجيش وشركات رجال أعمال عصر مبارك وشركات الاقتصاد غير الرسمي، والتي فضلت العمل خارج الأطر الرسمية هروبا من القيود، وسعيا إلى تحقيق أرباح عالية، ولغياب الشفافية والأطر الاقتصادية التي تشجعها على العمل القانوني. 
أما الضلع الثالث لقوة نظام السيسي، والمتمثل في القبضة الأمنية الشديدة، والقمع الهائل لقوى المعارضة المختلفة، فقد أدّى إلى إفراغ الساحة السياسية من مختلف القوى، إلا من كيانات وأحزاب هشة صنعتها الإستخبارات العسكرية، ولا تتمتع حتى بقدرٍ مقبول من الاستقلالية أو الشعبية. وهو وضع محير وخطير، يترك البلاد من دون أي قوةٍ سياسيةٍ تلعب دور الوساطة بين نظام السيسي والجماهير التي تعاني ضغوطا اقتصادية شديدة، تبدو مستمرّة ومتصاعدة خلال العامين المقبلين على الأقل. وتقود المعادلة السابقة إلى نتيجة منطقية، أن يتحول الانفجار الجماهيري للمخرج الوحيد الذي يمكن أن تعبر من خلاله الجماهير عن مطالبها، وفقا للبنية التي وضعها نظام السيسي لنفسه، فالطبقات الفقيرة والمتوسطة تعاني بشكل غير مسبوق، وسياسات النظام الاقتصادية عاجزة عن تحقيق تنمية حقيقية، وإيجاد فرص عمل كافية ومستقرّة، وتقوم بتحميل المواطن العبء الأكبر للإصلاحات الاقتصادية، وكأنها تعاقب المواطن على مشكلات الاقتصاد المصري المتراكمة منذ عقود، كما تدمّر فرص القطاع الخاص المستقل، ولا تسمح بصعود قوى سياسية حقيقية، ولو كانت موالية للنظام. وأمام تلك الضغوط لن يجد المواطنون أمامهم إلا التعبير عن غضبهم في شكل انفجارات جماهيرية غاضبة.

الضلع الثالث لقوة نظام السيسي، والمتمثل في القبضة الأمنية الشديدة، والقمع الهائل لقوى المعارضة المختلفة، أدى إلى إفراغ الساحة السياسية من مختلف القوى

تقول الدراسة أيضا إن تخويف السيسي المصريين بعدم الاستقرار السياسي لم يعد كافيا كما كان الحال بعد الانقلاب العسكري، فقد استطاع النظام تحقيق قدر كبير من الأمن السياسي للمواطنين عندما أراد ذلك، ولكنه فشل في تحقيق الأمن الإقتصادي، على الرغم من سعيه إلى تحقيقه، لذا من المنطقي أن يطالب المواطنون بتحقيق قدرٍ من الأمن الاقتصادي الذي تراجع بشدة في عهد السيسي، خصوصا مع تراجع مخاوفهم من انزلاق البلاد إلى الفوضى كما خوفهم النظام سنوات. 
سياسات النظام المصري ومثلث السلطة المتبع في أزمة داخلية نابعة من عيوبه البنيوية، وهي أزمة مرشّحة للتفاقم خلال العامين المقبلين على أقل تقدير، بسبب تبعات أزمة كورونا الدولية التي من شأنها تجفيف منابع رأس المالي الخارجي. كما يتبنّى النظام استراتيجية خاطئة، تمنعه من تحقيق أي تنميةٍ اقتصاديةٍ حقيقيةٍ، بسبب سعيه الدائم إلى القضاء على أي قوى مستقلة، ومخاوفه المستمرة من المنافسين، ولو أدّى ذلك إلى سيطرة شركات الجيش على الاقتصاد المصري، وتدمير فرص تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية، وهو ما يحمّل المواطنين أعباء هائلة قد تدفعهم إلى الانفجار في غياب أي قنوات اتصال وسيطة بين النظام والجماهير. وقد لا يجد النظام من يسعفه سريعا، فالقروض الدولية تأتي بشروطٍ مرهقةٍ للمواطنين المرهقين أصلا، والدول الخليجية المساندة للنظام تعاني إقتصاديا بسبب تراجع أسعار النفط، والأخطاء الهيكلية التي ارتكبها النظام لا يمكن حلها سريعا أو بسهولة.