أزمة ديمقراطية … أزمة معارَضة

أزمة ديمقراطية … أزمة معارَضة

19 يناير 2022
+ الخط -

الأزمة التي تعيشها المعارَضات في البلدان الحرة قليلاً، أو إلى حد كبير، أو تلك التي تحاول أن تكون كذلك، هي من أبرز ملامح ما يُعرف بأزمة الديمقراطية في العالم. الشعبوية ملمح ثانٍ لهذه المصيبة، موجتا التطرّف والعنف مظهر ثالث، واتساع التفاوت الطبقي على الصعيدين، المحلي والعالمي، وبالتالي اضمحلال الطبقة الوسطى، الفئة الأهم في كل مشروع ديمقراطي، مسبّب رابع.

من شأن إلقاء نظرة على بعض البلدان المركزية في سياق أزمة الديمقراطية أن يقدّم أجوبة أولية، وجميعها تندرج في خانة عجز المتضررين من الشعبوية ومن اليمين المتطرف والاستبداد والتعصب، عن الاتحاد لإطاحة التهديد الذي تجاوز مرحلة الخطر المحتمل، وصار واقعاً يُترجم قتلاً لمكتسبات ديمقراطية أساسية. ربما كان بالإمكان الانطلاق من لعنة بريكست في بريطانيا. كانت تلك بمثابة الافتتاح الرسمي لسباق حفر قبور كثيرة للديمقراطية. الكم الهائل لأكاذيب حملة دومينيك كامنغز وصحبه (أصبحوا يتبادلون العداء اليوم) والتحريض الرخيص على الأجانب وتزوير الأرقام، لم يواجَه بحملة موحدة بين العمال والليبراليين وأحزاب مركزية وأخرى هامشية في البلدان الأربعة للمملكة المتحدة. البريكسيتيون اتحدوا وحدة اللحم حول العظم، بينما معارضوهم خسروا عشرات آلاف الأصوات في استفتاء 2016 ببلاهة استثنائية. وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية كان بمثابة ترجمة فورية لانتصار خيار الانغلاق في بريطانيا. في الولايات المتحدة سُجلت مستويات قياسية لقصر النظر السياسي في حملة هيلاري كلينتون، وقد أدّى ذلك إلى تحول وحش ترامب الافتراضي إلى حقيقة واقعية للغاية. ولولا حسم بشقّ الأنفس، لكان ضعف اتحاد خصوم ترامب مدّد للكابوس سنوات أربع إضافية. والاتحاد الذي حصل في انتخابات 2020 يُحسب ليسار الحزب الديمقراطي الأميركي الذي بلع السم ودعم جو بايدن، أحد رموز يمين الحزب الذي يتخذ من الحمار رمزاً له. عودة إلى لندن. بوريس جونسون أصبح جثّة سياسية يتبرّأ منها حزبه قبل خصومه. فضائحه وحكومته في "حفلات داونينغ ستريت" خلال فترة إغلاق كوفيد عام 2020، جعلته، فضلاً عن بقية مصائبه السياسية والأخلاقية، نكتة لا تليق بها إلا البرامج الساخرة وشتائم صحافة التابلويد. رغم ذلك كله، لا يزال الرجل رئيساً لحكومة البلد الذي يحتل المرتبة الرابعة على لائحة أكبر اقتصادات العالم. كيف يحصل ذلك؟ ببساطة لأن ليس لدى خصومه بديل عنه يطرحونه في سبيل الدفع نحو انتخابات مبكرة. قرب بريطانيا، في فرنسا تجرى خلال دورتي إبريل/ نيسان المقبل، انتخابات رئاسية هي الأكثر انحداراً على مستوى الأخلاق السياسية في تاريخ الجمهورية الخامسة. لدى اليسار سبعة مرشحين أقواهم لا يملك عشرة في المائة من نوايا التصويت. الناخب الفرنسي يصعب عليه التمييز بين المرشحَين الفاشيَّين من جهة، وبين مرشحة اليمين الكلاسيكي (الجمهوري) فاليري بيكريس من جهة ثانية. السباق على الطروحات المتطرّفة في أوجه، بينما اليسار بكل تلويناته يرفض الاتحاد خلف مرشح واحد لقطع الطريق أمام التجديد لإيمانويل ماكرون.

في أزمة الديمقراطية لنا حصة عربياً، تونس بالطبع. الأزمة ليست من بنات قيس سعيّد، لكنها بلغت نضجها الكامل على يديه من دون شك. أصبحت مكررة الكتابة عن شعبوية سعيّد وعن كذبه وأمراضه الاستبدادية وجنون العظمة. السؤال الذي نخشى جوابه هو لماذا لم يتحد بعد خصومه من كل الاتجاهات السياسية في جبهة واحدة؟ لماذا لا يزال الرجل يملك تأييداً شعبياً هو الأكبر حتى الآن بحسب استطلاعات الرأي؟

الديمقراطية سلطة ومعارضة. أزمة السلطة أهون بأشواط من أزمة المعارضة. ضعف الثانية يفتح طرقات للأولى لكي تغذي أوهاماً تسلطية لدى الناس من نوع أن البديل عنها هو التعددية المرادفة للفوضى على هيئة ما يرونه عند المعارضين قبل أن يصل هؤلاء إلى الحكم حتى.

ضعف المعارضة يسمح لشخص بوزن قيس سعيّد أن يخاطب الناس وهو مقتنع بأنه ديمقراطي، وهو مقتنع بأنه أكثر من مستبدّ مريض آخر.