أزمة الهوية .. من أنا؟ من نحن؟

أزمة الهوية .. من أنا؟ من نحن؟

20 أكتوبر 2021
الصورة

(جاذبية سري)

+ الخط -

هل أنا والداعشي اللذان خرجنا من الحارة ذاتها نحمل الهوية الفردية والجماعية ذاتها، لأننا نشأنا في المكان ذاته؟ هذا سؤالٌ يتعلق بالهوية، ومن الممكن اشتقاق الكثير من هذا النوع من الأسئلة، خصوصاً أنّ الهوية باتت السردية الكبرى في زمن التشظّي في العالم، والذي تختلف أسبابه من مكانٍ إلى آخر، لكنّه يفعل الفعل نفسه، في إعلاء الهوية الذاتية مقابل احتقار هوية الآخرين، فالهوية ليست إشكالية فحسب، بل هي غامضة أيضًا. ليس لأن لها مستويات عدّة، أو للشخص هويات عديدة، كأن أنتمي إلى بلد، وأمارس مهنةً معينة، وأشجّع فريقًا محدّدًا لكرة القدم، وأنتمي إلى نقابة محدّدة، وأنتمي إلى مجموعة مناهضة لحكم الإعدام ... إلخ. وهي كلها هوياتٌ جزئية، قد تكون غير مؤثرةٍ في الصراع الاجتماعي، كأن يكون المرء فنانًا تشكيليًا. وقد تكون مؤججة للصراع، كأن يرى الطائفي هويته الأساس الذي يتعامل من خلاله مع الآخر المختلف، ما يجعل الهوية خطرة، وقابلة للانفجار الدموي.

من أنا؟ من جاري؟ هل هو الآخر الذي يهدّدني؟ هل هو عدوي الداخلي؟ لهذه الأسئلة إجاباتٌ مختلفة. فهي تذهب باتجاه تسامحي، حين تعترف بالآخر المختلف بوصفه مساويا لي في القيمة والحقوق، وأن هويته المختلفة هي تنويعٌ يغني البلد. وإجابة سلبية، تذهب باتجاه تدميري ودموي، حين ترى في الآخر المختلف العدو الذي يجب استئصاله، لأنّه باختلافه يهدّد وحدة جماعتي، والتي وحدها على حقّ، وأن الآخرين ليسوا شركاء في الوطن، بل هم أعداء كامنون، في اللحظة المناسبة سينقضّون علينا، وقبل أن يفعلوا ذلك، علينا البدء في استئصالهم، لأنّهم لا يستحقّون الحياة. وبالتالي، يمكن أن يحمل أناسٌ يعيشون في الحي ذاته هوياتٍ تذهب باتجاهاتٍ مختلفة ومتناقضة، تجعل هؤلاء الذين يعيشون في مكانٍ واحد، في عالميْن مختلفيْن ومتناقضين فعليًا. في الوقت الذي يظهر المجتمع يعيش حالةً من التعايش، تكون المراجل المُشعلة للكوارث تعمل في العمق. وفي لحظة الصدام، يتحوّل التعايش الظاهر إلى حربٍ استئصاليةٍ بين أطرافها. بالطبع، لا تكون الحرب نتيجة المفجّر المباشر للصراع، بل يكون أساس الصراع قد تكوّن داخل هذه الجماعات التي انغلقت على ذاتها، وتم العمل بشكل منظم على إيجاد هذا الالتفاف حول هوية إلغائية اخترعها من تخدمهم هذه الهوية.

صراع الهويات يكون في حالة المجموعات المتعصّبة التي لا ترى في الهوية سوى الأنا الجمعي الذي يجب أن يكون موحّدًا في مواجهة الآخر

بالتأكيد، أنا وجاري الداعشي لا نملك الهوية ذاتها، على الرغم من أنّنا، نحن الاثنين، عشنا في المكان ذاته، وطالما هناك طرفٌ إلغائي يحمل مشروع قتل لي بوصفي كافرًا. لم أعد أنتمي أنا والذي يريد قتلي إلى المجموعة الاجتماعية ذاتها، وبالتالي لا نحمل الهوية ذاتها. ومن هنا، يمكن القول إن هناك تنوّع هويات وهناك صراع هويات، والإجابة عن أسئلة الهوية هي التي تحدّد وجه الصراع المستقبلي بين المجموعات المكوّنة للبلد. الاعتراف بالتنوّع هو الأساس المكوّن لحالة تعايش الهويات في مجتمعٍ واحد، وهو ما يحتاج، بالضرورة، إلى اعتراف الهويات المتبادل بعضها ببعض، بوصفها غنى اجتماعيا، عبر صيغةٍ من العقد الاجتماعي الذي يقبل هذا التعدّد والتنوّع، ويسمح له بالتعبير عن نفسه ضمن الضوابط القانونية، شرط ألّا تكون الهوية إلغائيةً تريد استئصال الآخر، سواء لأسباب دينية أو إيديولوجية.

صراع الهويات يكون في حالة المجموعات المتعصّبة التي لا ترى في الهوية سوى الأنا الجمعي الذي يجب أن يكون موحّدًا في مواجهة الآخر، مطلق آخر، الفرد المعميّ على عينيه، الذي يرفع جماعته الضيقة إلى مرتبة المقدّس، وهذه الأنا تعرّف نفسها بالسلب بعلاقتها بالآخر. وأصحاب الهوية المهدَّدة لا يثقون بأصحاب الهويات الأخرى، ولا قيمة للهويات الأخرى أو لأصحابها، وبذلك لا اعتراف متبادلاً، وعندما يحدُث صراعٌ في هذه المجتمعات، فإنّ الهويات المتعصّبة تعبر عن نفسها بشكلٍ دموي. لا بد لتنوّع الهويات من مجتمعٍ ديمقراطي، يحمي صيغة التعايش بينها. وهذا لا نراه في المجتمعات الاستبدادية، لأنّ السلطة المستبدّة حالةٌ استئثارية، لا تعترف بالتنوّع في مجتمعها، فتتلاعب بالهويات الجزئية، وتقلب أصحاب هذه الهويات بعضهم ضد بعض، وهو ما يصبح بالضرورة شغلها الشاغل من أجل القبض أكثر على السلطة.

تتأثر الهوية بالخيار الفردي، عندما يملك الفرد خيار الانشقاق عن جماعته، وهذا ما يوفّره الاعتراف بالتنوع الهوياتي للمجتمع

هذا لا يعني أن المجتمع الديمقراطي محصّنٌ ضد الهويات الإلغائية، على الإطلاق، فحتى المجتمعات الأكثر ديمقراطيةً في العالم تعاني من انفجار الهوّيات الجزئية في العقود الأخيرة، ومن نمو هذا النوع من الهويات الإلغائية والعنصرية والشعبوية المتصاعدة، خصوصا تلك الهوية الوطنية التي يتم تصعيدها في مواجهة اللاجئين إلى هذه البلدان، بوصفهم الطرف الضعيف في البلد. على الرغم من ذلك، وبفعل البنية القوية للديمقراطيات، ما زالت قادرةً على دمج هذه الهويات الجديدة والخطرة في آليات التعبير الديمقراطية، بوصفها طيفا موجودا في هذا المجتمع.

تتأثر الهوية بالخيار الفردي، عندما يملك الفرد خيار الانشقاق عن جماعته، وهذا ما يوفّره الاعتراف بالتنوع الهوياتي للمجتمع، يمكن أن يكون هذا الانشقاق أساسًا لإعادة اختراع الهوية من جديد، والتخلص من شوائبها الضارّة، وجعلها مرنة، فهي بطبيعتها متغيرة. أما في سياسات "هوية القطيع" فلا يملك الفرد الانشقاق، وهو عمليًا عبد الهوية التي توحّده مع أقرانه في الجماعة بالسلب ضد هوياتٍ أخرى، ما يشكّل سياقًا لصراع اجتماعي نكوصي، بدلًا من تنوع هوياتيٍّ قابل للتعايش.

أنا وجاري الداعشي لا نملك الهوية ذاتها، على الرغم من أنّنا عشنا في المكان ذاته

 

الفردنة هي الحل للهويات المغلقة والقاتلة، فتفوّق الأنا على النحن يجعل المشاركة الفردية مع الآخرين في العيش المشترك أسهل. صحيحٌ أنه خيار بطيء، لكنه فعّال، فالهوية نوعٌ من السردية الذاتية لتجارب جماعية، صور هذه التجارب وتفاعلها تنتج هذه الهوية، وفي السردية نفسها تظهر أزمات الهوية، وأشكال الردّ على هذه الأزمات، هل يكون ذلك بإلغائي الآخر أم بالتعاون معه.

لا أريد إعادة كلّ الصراعات إلى سياسات الهوية، بالتأكيد المسألة أعقد من ذلك بكثير. على الرغم من ذلك، بات معروفًا اليوم أنّ الأنا التي اخترعت الهوية القومية في أوروبا في القرن التاسع عشر، وتحوّلت إلى شكل هوياتي مسيطر، أدّى إلى حربين عالميتين، كانتا الأكثر دمويةً في التاريخ. ولا تقل الهويات الجزئية المسيطرة والمغلفة خطورة في المجتمعات المحلية، فهي قاتلةٌ بامتياز، فلا يمكن أن يشكّل الفرد خطرًا على "أمن الدولة" عندما ينتقدها، وأنّ هذا النقد "يوهن عزيمة الأمة"، هي تهم جعلت معارضين يقضون سنواتٍ طويلةً من عمرهم في السجون السورية، فما هذه الأمة التي تهتز عزيمتها من نقد متواضع؟! وما يجري من حقن للكراهية في الهويات الجزئية، كلّما ارتفعت وتيرة الصراع، يحوّل سياسات الهوية إلى قاتل رئيسي.