أزمة الرسوم الكاريكاتورية ونقاش متجدد قبل الجولة المقبلة

18 نوفمبر 2020
الصورة

بنغاليون في مظاهرة احتجاجية في دكا تطالب بمقاطعة المنتجات الفرنسية ( 2/11/2020 (Getty)

+ الخط -

"أزمة الرسوم المسيئة" مثلثٌ أضلاعه مجلة شارلي إيبدو الفرنسية التي نشرت الرسوم، ومؤسسات الدولة الفرنسية، والمسلمون الأوروبيون وغير الأوروبيين. يهتم المقال، بدرجة رئيسية، بالضلع الأخير، لأنه الأهم، على الرغم من أن الثاني هو الأخطر. أما الصحف والرسوم ذاتها فهي بلا قيمة فكرية أو فنيّة، بل يجب إبطال كل محاولة لإعطاءها أهميّة؛ ليس لابتذالها فحسب، ولكن أيضًا لأن المهم في الأزمة كانت الاستجابات وردود الأفعال على الرسوم.
أزمة ذات أمواج
بدأت أزمة الرسوم الكاريكاتوريّة المسيئة للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، في عام 2005، حين نشرت أولى الرسوم في صحيفة دنماركيّة، ثم تدفقت موجاتها بعد أن دخلت الصحف الفرنسية على الخط منذ فبراير/ شباط 2006، والأوروبية لاحقًا. وتتميز الأزمة بما يشبه التكرار الحَلَقي في تقانة المعلومات؛ فأطرافها يتّخذون مواقف وردّات فعل متشابهة في التوقيتات نفسها. ومؤكّد أن موجة جديدة قادمة بعد حين؛ فديناميكيات الأزمة على حالها، بل وعُكّرت بالدم والجريمة في يناير/ كانون الأول عام 2015، وفي الشهر الفائت (أكتوبر/ تشرين الأول 2020). كما أن رحم هذه الأزمة ولود خصب، ينجب مكاسب مجانيّة لأغلب أطرافها: للصحف التي تنشر الرسوم، والإعلام الذي يغطي تفاعلات الأزمة، ويأخذ لقب المدافع عن الحريات، ولليمين الأوروبي المتطرّف، وللسلطات الأوروبية، والنظام العربي وقواعده المحافظة، وللتنظيمات الجهاديّة.
قُبيل نشرها الرسوم عن النبي الكريم عام 2006، كانت صحيفة شارلي إيبدو تعاني أزمات مالية متلاحقة؛ كانت تطبع من العدد الواحد 140 ألف نسخة في أفضل الأحوال، ولكنها بعد فبراير/ شباط 2006، أضحت تطبع 400 ألف نسخة، هذا علاوة على الشهرة العالمية التي حازتها. وعلى الرغم من تناقض التقليد الليبرالي مع النزعة الجمهوريّة - العلمانيّة الحادّة التي تشكّل قلب الدولة الفرنسيّة، صُعّدت "شارلي إيبدو" إلى مرتبة رمز الحريّات و"قيم الجمهوريّة" معًا بعد الهجوم الإرهابي على مقرّها عام 2015، بعد أن كانت مجلة هامشية في فرنسا لا تحظى بالاحترام، لأن سخريتها تختلط مع نزعاتٍ مَرَضية منحرفة، لا مع المسلمين وحدهم، بل مع مختلف الشعوب والأديان، بل وتمارس السخرية العنصرية ضد أطفالٍ ماتوا غرقًا وضحايا مظاهرات وكوارث طبيعيّة. إنه أمر ذو دلالة مهمة أن مجلةً بهذا المستوى هي التي نشرت تلك الرسوم عن النبي.

ربما يعتقد شاب مأزوم أنه يخدم الإسلام بجريمة قتل الأستاذ الفرنسي، فيما القيادات الجهاديّة التي تحرّكه لم تعد هذه همومها 

أما الأنظمة العربيّة فقد استفادت منذ بداية الأزمة بضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد: الأول إيجاد منفذ للتنفيس عن الكبت السياسي والنفسي في مظاهراتٍ لا تمثل مداخلةً في الشأن العام ولا تهدّد النظام بل تكسبه شرعية مؤقتة؛ تشجيعه لها يظهره "مدافعًا" عن حياض الإسلام وكرامة المسلمين، كما أنه يسحب البساط من تحت الحركات الإسلامية، ويؤكّد مجدّدًا على كسر احتكارها "التمثيل السياسي للإسلام". الثاني أنها قد تستثمر لأغراض شخصيّة، كما فعل الرئيس الليبي السابق، معمّر القذّافي، حين صبّ حمم غضبه على أوروبا، وسويسرا تحديدًا، في خطاباته بعد عام 2008 بسبب نشر الرسوم المسيئة وقانون منع المآذن في سويسرا. كان القذافي، بتحريضه وخطاباته العنيفة في تلك الفترة تحديدًا، لا يستفيد فحسب، مثل بقية الأنظمة العربية، من الأزمة، بل ويستخدمها ليمارس انتقامًا شخصيًا أيضًا ضد سويسرا (وصفها بالكافرة ودعا إلى الجهاد ضدها) بسبب إلقاء شرطة جنيف القبض على نجله هنيبعل وزوجته في يوليو/ تموز 2008، لتعنيفهما عاملتهما المنزليّة. المكسب الثالث تخفيف ضغط المحافظين الجدد آنذاك على النظام العربي في مسألتي الديمقراطية وحقوق الإنسان، بمغازلة الأحكام الاستشراقية التي تعشش في عقل النخب السياسية الغربية. كان لسان حال النظام العربي يقول "انظروا إلى الغوغاء المهاويس الذين يجوبون الشوارع ويُقتَلون بالعشرات بسبب رسوم ساخرة. أهؤلاء من تريدون أن يكون لهم صوت يحسب في إدارة الدول؟". ولا يزال هذا المكسب حاضرًا، ولكن ليس تجنبًا لضغوط الخارجية، بل تبريرًا للثورة المضادة ولضرورة تقبُّل الغرب ساديةَ النظام العربي التي تمنع "الغوغاء" من الثورة، والوصول إلى السلطة ديمقراطيًا.
تمييزات ضرورية
المدخل لتغيير الموازين في هذه الأزمة إجهاضُ مكاسبها، لا التركيز على منع الرسوم؛ علاوة على حرية التعبير، فإذا تخيلنا جدلًا منع الرسوم، سيأتي وسيط آخر (أفلام، مسرحيات، مسلسلات، ومنشورات،.. إلخ) ليبدأ الأزمةـ بعد أن ثَبُتَت مكاسبها الكبيرة. ولنفحص أولًا هذه الأزمة بدقة. مشكلة بعض تلك الرسوم ليس أنها ساخرة، بل إنها عنصريّة في سخريتها. هذا فارق مهم يجب استبطانه إذا أردنا تحقيق توازن في هذه المعركة التي نخسرها، وسنخسرها على الدوام إذا استمر الخطاب السائد عربيًا، بفصامه المعروف (إسلامي - علماني)، في اختزال المسألة إلى بُعد إهانة المقدسات، أو بُعد حريّة التعبير.

الدولة الحديثة، جهاز التسلط، تصبح بضربةٍ واحدة حامية حمى الحريّات التي "لن تتخلى عن الكاريكاتير"

لنبدأ بتأمل عبارة "الرسوم المسيئة للنبي"، أحد أعظم الرموز في أي قائمة تخص التاريخ البشري، والرمز الأول لمليار ونصف إنسان، والذي تتعاظم مكانته الروحيّة والثقافية منذ ظهر في مدينة صغيرة في الحجاز، تلتقي فيها القوافل بين اليمن والشام، وحتى عمت دعوته أركان المعمورة على امتداد ألف وخمسمائة عام، لا يسيء إليه رسم أو مقال. الفزع الذي ينتاب بعض المسلمين، ويُدفعون إليه دفعًا من أنظمة وقوى سياسيّة، كلما قال أحدهم شيئًا بذيئًا عن النبي أو المقدسات الإسلاميّة لا يقول شيئًا عن التديُّن، بل عن الهشاشة المعنوية والجروح المفتوحة المروّعة التي تُعذّبنا، وهي جروحٌ لا علاقة لها جوهريًا بالدين؛ فلو أنها كذلك، لكان الدين الثاني في الانتشار في العالم، وأقيمت على أكتافه واحدة من أفخم الحضارات الإنسانية، أعطى دفعة رسوخ هائلة لأتباعه لا تدخلهم في حالات الفزع والهستيريا بسبب جرائد وتسفُّل نكرات. هذه الجروح تُنكأ وتلوّث بمشارط السياسة وأزمات الهويّة وانسداد أفق الحاضر الذي يبعث عذابات الذاكرة.
المقدسات لا يُساء إليها أو تُهان بالألفاظ والرسوم، ولكن الأفراد هم من يؤذَون، ويُساء إليهم بالتنميط والتحريض والعنصريّة. من حق كل إنسان أن يعبّر عن اشمئزازه من السخرية من مقدساته الدينيّة، وأن يطالب باحترام مقدساته عبر طرق متحضّرة، كما فعلت جمعيات إسلامية فرنسية عندما رفعت قضية على مجلة شارلي إيبدو عام 2007، وكما فعلت الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية أكثر من مرة. المهم ألا نفسح مكانًا للأوهام هنا: من حق المسلمين الأوروبيين فعل ذلك، ولكن لا يمكن بضربةٍ واحدةٍ، سواءً بالقانون أم بالعنف والجريمة، منع السخرية من المقدّسات الإسلاميّة، في بلد مثل فرنسا، حيث تتخذ العلمانيّة شكلًا متشدّدًا يظهر في الحساسية الأيديولوجية للدولة والثقافة الاجتماعيّة إزاء الدين. بينما يمكن، بالنضال، منع التنميط والعنصريّة، وبالتالي فمعركة مسلمي أوروبا القانونيّة والثقافية هي منع السخريّة حين تكون عنصريّة، والتعايش معها، بالرفض الثقافي أو بالتجاهل، حين لا تكون كذلك. مع مرور الزمن وتواصل النضال وبناء مؤسسات فرنسية إسلامية أقوى، وتوسع المسلمين أكثر داخل الطبقة الوسطى، ستضطر الثقافة السياسية الفرنسية أن تضع في اعتبارها مسألة تجنب السخرية من المقدّسات، كما تفعل الثقافات السياسية في أغلب الدول الديمقراطيّة، بحيث تصبح الرقابة الذاتية هي السائدة في هذا الشأن. ثمّة دول أوروبية فيها قوانين تحاسب على التجديف أو إهانة المقدسات، مثل ألمانيا وإيطاليا واليونان، واستفاد منها مسلمون ومسيحيون أكثر من مرة. ولكن المطالبة بسن قوانين شبيهة في فرنسا تحديدًا غير واقعيّة؛ فقد ألغت فرنسا العقوبة على التجديف في السنوات الأولى من الثورة الفرنسية، ثم إنها ألغت قوانين شبيهة كان معمولًا بها في إقليم الألزاس عام 2016، بعد أن حاول مسلمون فرنسيون استخدام القانون في عام 2014 لرفع قضية على مجلة شارلي إيبدو.

من حق كل إنسان أن يعبّر عن اشمئزازه من السخرية من مقدساته الدينيّة، وأن يطالب باحترام مقدساته عبر طرق متحضّرة

التمييز الثاني هو بين مسلمي أوروبا ومسلمي العالم الإسلامي. لأسباب تاريخيّة تخص بناء الدولة القوميّة في العالم الثالث، وتزامن ذلك مع إنهاء الاستعمار الأوروبي، وتكون حركات إيديولوجية أممية الطابع فيها (دينية وشيوعيّة)، يلتقي قطاع واسع من الإسلاميين وخصومهم من الليبراليين في سوء فهم ظروف مسلمي أوروبا وموقعهم، وفي إدراك وجودهم بدون مفاهيم المواطنة والدولة القومية وحقوق الإنسان، فيبدو مسلمو أوروبا كأنهم وفدٌ أرسله العالم الإسلامي إلى أوروبا المسيحيّة/ المتحضّرة في مهمة "تمثيل الإسلام". وينتج عن ذلك خطاب سطحي يطالبهم بأفعال، أو يحرّضهم على سلوكياتٍ، تهمّش حقيقة وجودهم باعتبارهم مواطنين في دول قومية حديثة وديمقراطية، وليسوا جالية أو ضيوفا. هذا سوء فهم له نتائج غير حميدة، وربما نكتشف إذا فحصنا يوميات المسلمين من أصول عربيّة في أوروبا دور "تنظير" شخصيات دينية وسياسية إسلامية عربيّة لرفض الاندماج في إقناع قطاعاتٍ مسلمةٍ في أوروبا بذلك، وتحويله تعبيرًا عن التزام ديني، ودور كتاب مسلمين (عربًا وغير عرب) كارهين أنفسهم، ويحققون شعبية كبيرة عند الأوروبي هذه الأيام، في دفع شرائح من مسلمي الطبقة الوسطى في فرنسا إلى كراهية ذاتهم، وكل ما يمت للمسلمين والإسلام بصلة.

يلتقي قطاع واسع من الإسلاميين وخصومهم من الليبراليين في سوء فهم ظروف مسلمي أوروبا وموقعهم

من هذا التمييز يبرز تحدٍ آخر أمام مسلمي أوروبا في هذا السياق، وهو رفض تورّط الدولة في دعم السخرية من المقدسات وتشجيعها، عنصرية كانت أم لا، لأنه سلوكٌ تختلط فيه الأيديولوجيا بالميراث الاستشراقي بالحسابات الصغيرة الخاصة بالانتخابات، ويستخدم المسلمين معملًا لتجارب أيديولوجية واجتماعية – انتخابيّة. وبالتالي ينتقص من مواطنتهم وآدميتهم، ومن حقهم بالعيش بسلام في وطنهم. هذا جانب لا يفهمه "ليبراليون" عرب كثيرون، نتيجة خلطٍ سيئ النية بين صون حرية التعبير وتشجيع "تعبيرٍ" بعينه.
ثالث التمييزات التي يجب إجراؤها التفريقُ بين القمعين، الديني والثقافي. تضمن فرنسا حريّات دينيّة غير موجودة في دول إسلامية كثيرة، ويتمتع مسلموها بحقوقٍ قانونية ومواطنية، وفرص ترقٍ اجتماعي تصعب مقارنتها بما يقدّمه أي بلد عربي لمواطنيه. من جهة أخرى، يتعرّض المسلمون لتنميطاتٍ تمتح من تراث ثقافي أوروبي تمييزي ممتد، وتحريض وكراهية من قوى سياسية لها قواعد في المجتمع وتدخل البرلمانات، ويعانون من التمييز في فرص العمل والأماكن العامة من تيارات اجتماعيّة. وهذا، مع عوامل أخرى مثل مستوى التعليم، يترجم بعد ذلك طبقيًا إلى تكديس قطاعاتٍ من الشباب في ضواحي الفقر. كما تتورّط الدولة أحيانًا في دعم التمييز ضدهم واستفزازهم، كما فعل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أخيرا، ولكن ليس دائمًا؛ مثلًا موقف الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك عام 2006 من رسوم "شارلي إيبدو" كان مناقضًا لموقف الرئيس الحالي. في كلام آخر، فرنسا لا تقمع دينيًا المسلمين، وهم يتمتعون قانونيًا بحقوق المواطنة الكاملة، ولكنهم لا يتمتعون بالمساواة في المجال العام والثقافة السياسية، ويُستثنَون من الأعراف التي تحكم المداولات العموميّة، كما أن وجودهم على شكل شبكاتٍ اجتماعيّة وماليّة (شرعية ونشاطها قانوني) يضايق السلطات، وتستهدفه كلما سنحت الفرصة. مثلًا منذ مطلع العام الجاري (2020)، أقفلت السلطات الفرنسية عشرات المدارس والجمعيات الإسلاميّة من دون أدلة واضحة على "تشجيعها الإرهاب".

موقف شيراك عام 2006 من رسوم "شارلي إيبدو" كان مناقضًا لموقف ماكرون

وهذا يذكّر بما فعلته الولايات المتحدة الأميركية بعد هجمات "11 سبتمبر" في 2001، حين حرصت على تدمير شبكات جمعياتية إسلامية عاتية، لم تكن كلها متورّطة في دعم "القاعدة"، ولكنها فعلت ذلك ضربًا لقدرات الجماعات المسلمة على التنظيم والتمويل التي تكاد تنافس الشبكات الخيرية المسيحيّة، وبالتالي ضرب مقومات قوة اجتماعيّة وطاقة ضغط سياسية ممكنة، بل وربما كان للمحافظين الجدد آنذاك دوافع دينية. 
على كل حال، يقع نصيب كبير من المسؤولية عن هذا الوضع على عاتق الدولة الفرنسية التي لم تتحرّر بعد من تاريخ "بناء الأمّة" المتطرّف، ومكابرتها في رفض حد أدنى من احترام التعدّد الثقافي، وإصرارها على ثقافة الصهر وخطابها العنيف والمستفز الذي ينتج النبذ وتوسيع صدوع الاغتراب في المجتمع لا الاندماج، ولكن قطاعًا من المسلمين، ذلك الذي يرفض الحد الأدنى من الاندماج أو تقبُّل قيم مجتمعه الذي يعيش فيه، ويصر على وضع نفسه في تناقض قيمي مدمّر مع نفسه ومع الآخرين، يتحمّل نصيبًا من المسؤوليّة.
في هذا السياق، ينبغي القول إننا إذا كنا نرفض التنميط ضد المسلمين، فالأوْلى أن نتوقف نحن عن تنميطهم! بعض ما يُنشر عن مسلمي فرنسا في مقالات الصحف ومنصات التواصل الاجتماعي العربيّة فيه استهلاك للصور النمطية الشائعة في أوساط الإسلاموفوبيا الفرنسية عنهم (غيتوهات مغلقة متدينة ومعزولة وعنيفة في الضواحي الفقيرة بلا تعليم أو عمل). مثلًا اندماج المسلمين، خصوصا من أصول إفريقية، سواء المغرب العربي أم جنوب الصحراء، في المجتمع الفرنسي، يسير على قدم وساق، وبمعدلات سريعة بالمناسبة، كما يظهر في معدلات الزواج المختلط ونسب الحصول على الشهادات الجامعيّة والانخراط في سوق العمل. ما تفعله السلطات الفرنسيّة حاليًا هو عمليًا عرقلة عمليات اندماج جارية وإنهاك المجتمع لصالح صراع انتخابي! كما أن شباب الضواحي ليسوا مشكلة "إسلاميّة"، بل مشكلة فرنسية تفهم بأيديولوجيا الدولة وتاريخها وحسابات السلطة وقدرة الاقتصاد على فتح أبواب الحراك الاجتماعي أمام الطبقات الفقيرة وسوسيولوجيا المهاجرين وتيارات المجتمع السياسي، وقدرة مؤسسات المجتمع المدني (وفي مقدمتها في هذا السياق الجمعيات الإسلامية) على استيعاب الشباب وربطهم بالمجتمع.

يقع نصيب كبير من المسؤولية عن التأزم على عاتق الدولة الفرنسية التي لم تتحرّر بعد من تاريخ "بناء الأمّة" المتطرّف

جديد التمييزات هنا تمييز احترام المعارضة من التقييم الموضوعي لجدوى الوسائل النضاليّة التي نختارها، ومدى خدمتها الأهداف المطروحة. مقاطعة البضائع وسيلةً للتعبير عن الرفض الشعبي سلوكٌ متحضّر، بغض النظر عن تقييم الدوافع، وكان توقيتها رفضًا لتصريحات ماكرون، لا هسترة ضد الرسوم، موفقًا للغاية. المهم هو تقييم أثر هذه الوسيلة، والتي تبدو أقرب إلى العقاب منها للضغط؛ هي تزعج الحكومات، وتجرح نرجسيتها على ما يبدو من ردود فعل الحكومة الفرنسية التي تميّزت بغياب الحكمة، خصوصا في ظل إنهاك الاقتصاد بسبب جائحة كورونا، ولكنها لن تغير المعارك الثقافية والاجتماعيّة، لأن المقاطعة محدودة وغير شاملة، كما أن الصادرات الفرنسية للدول العربيّة مثلًا ليست متركزةً في البضائع التي يستهلكها الأفراد، بل في منتجات الصناعات الثقيلة والأدوية والأسلحة وغيرها، أي أن التأثير الواضح سيكون بمقاطعة الدول وليس الأفراد، وهذا غير وارد. ويمكن القياس، مع الفارق، على المقاطعة الدنماركية عام 2005 التي عمّت العالم الإسلامي وكبدت الدنمارك خسائر لم تتجاوز عشرات الملايين من اليوروهات، وبالتالي لم تؤثر كثيرًا في اقتصادها. الأمر الآخر سرعة تمزيق الوسيلة، بفعل إدخالها مجال الاستقطاب العنيف والمبتذل في العالم العربي الذي لا يغادر شيئًا مبشّرًا أو عزيزًا إلا ثلَّمه وأهانه؛ فما لبثت المقاطعة، بعد أيام من انطلاقها، أن شهدت دعوة تكميليّة إلى الاستعاضة عن البضائع الفرنسية بالتركية، دونًا عن بضائع كل العالم الإسلامي! ليصبح الأمر، ببساطة، فصلًا جديدًا من تحويل العرب تحديدًا، وليس كل مسلمي العالم، إلى غوغاء في جولات التلاسن والاحتكاك الإقليمي بين الرئيسين، الفرنسي ماكرون والتركي أردوغان.
من التجربة إلى الخبرة
قد يمر الفرد أو الجماعة بتجارب كثيرة، ولكن هذا لا يعني أوتوماتيكيًا تحصيلًا للخبرة؛ الأخيرة هي منتج تأمل واعٍ للتجارب، وهذا ما نحتاجه الآن من تجربة الأزمة وتفاعلاتها وتفاقماتها التي تتدحرج منذ خمسة عشر عامًا.

كما يحدث في الأفلام القديمة، سينتصر معسكر الخير بالطبع، لأن كل أطراف الأزمة يدّعي أنه معسكره

من الاستنتاجات أن الخطاب الشائع بين القيادات الإسلاميّة والدينيّة في العالم العربي بعد جرائم التنظيمات الجهاديّة يحتاج مراجعة. القول المكرور إنها جرائم "لا تخدم الإسلام والمسلمين" غير لائق؛ فالإدانة للجريمة يجب أن تحدث لأنها جريمة، وليس لأنها ليست في صالح أحد، وبغض النظر عن المُخاطب المتخيّل هنا (شاب متطرّف، تنظيم جهادي)، كما أنه يدلّ على أن هذه القيادات لم تفهم بعد مع من تتعامل، ولم تدرك بعد التحوّل الذي أحدثه للحركات الجهاديّة تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش).
يقول مؤسس تنظيم داعش، أبو مصعب الزرقاوي، في رسالة منه إلى زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، في فبراير/ شباط عام 2004، إن تنفيذ هجماتٍ على تجمعات ومقدسات شيعيّة في العراق سيدفع "الشيعة" إلى الرد بهجمات مضادة، وحينها سيظهرون "كَلَبَهُم على أهل السنة". والزرقاوي هنا لا يعبأ مطلقًا بفكرة السياسات الشعبية وصورة التنظيم عند المسلمين، مثل أيمن الظواهري أو أسامة بن لادن. على العكس، لا يتورّع منطق داعش عن تمزيق الواقع بالدم والجريمة، حتى يلائم إطار أفكاره ويلبّي افتراضاته الطائفيّة. وبذلك يدفع المسلمين دفعًا إلى الوقوف وراءه. يظهر هذا الفارق بين التنظيمين في الهجوم على مجلة شارلي إيبدو في يناير/ كانون الأول 2015. تبنى مسؤول أئمة "داعش" آنذاك العملية، وتحدث عنها باعتبارها انتقامًا من فرنسا بسبب مشاركتها القوية في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب تبناها لاحقًا، وقدمها باعتبارها "ثأرًا للنبي".
في كل الأحوال، أثبتت تلك العملية أن مراجعات بن لادن في أواخر أيامه بقيت فرديّة الطابع، ولم تتحوّل إلى برنامج عمل للحركات الجهاديّة، كما ثبت أن منطق "داعش" هو الذي انتصر في النهاية. مشاهد "مسيرة الجمهورية" وخطابات اليمين المتطرّف وتورّط الدولة في فرض الإجماع، وتحشيد المجتمع خلفها بذلك الأداء الهستيري إثر هجمات يناير 2015، أو تصريحات ماكرون الغريبة الهوجاء قبل جريمة قتل المعلم الفرنسي صامويل باتي وبعدها في الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، هو رد الفعل المثالي الذي يريده "داعش". ربما يعتقد شاب مأزوم أنه يخدم الإسلام بالجريمة، ولكن القيادات الجهاديّة التي ترشده وتحرّكه لم تعد هذه همومها بعد ظهور "داعش"؛ هدفها هو بالضبط دفع الدولة الأوروبيّة إلى مهاجمة "الإسلام" والتضييق أكثر على المسلمين، وهكذا تتأكد افتراضاتها عن "حرب فرنسا الصليبية" على الإسلام.

لا يتورّع منطق داعش عن تمزيق الواقع بالدم والجريمة، حتى يلائم إطار أفكاره ويلبّي افتراضاته الطائفي

الأمر الآخر هو ضرورة التأمل البحثي والأكاديمي في هذه التجارب. من الغريب ترك الأكاديميا والمثقفين العرب نقاش هذا الموضوع لمعسكرات الاحتراب الثقافي المفتوح عربيًا (إسلام ي- علماني)، ولبيانات الجماعات الجهاديّة وتصريحات اليمين المتطرّف أو للأنظمة والقوى السياسية التي تستخدمه للحشد وتحقيق المكاسب في الانتخابات وفي العلاقات الخارجية، وأحيانًا في المكايدات والتشاتم بين سياسيين يتعاورهم جنون العظمة في مراحله المتقدمة. بعد عام من هجمات يناير 2015، صدر في فرنسا مائة كتاب عن تلك الهجمات وعن الصحيفة وما يتصل بها من ظواهر. أغلبها ليس قيمًا بالضرورة؛ النشر صناعة والكتاب سلعة، وسوق الكتب مثل بقية الأسواق فيه لحظات رواج وفرص تقتنص تعظيمًا للأرباح. وثمّة فارق كبير في ديناميكية سوقي النشر الفرنسي والعربي (وليس في القرّاء وممارسة القراءة)، كما أن موضوع الرسوم وتفاعلاته أوروبي بالدرجة الأولى، ويخص المجتمعات الأوروبية، بما فيها مسلموها والمهاجرون. ولكن يلفت النظر أن هذا الموضوع، على الرغم من اتصاله بالواقع العربي وارتباطه بتوظيفات سياسية وتعبيرات احتجاجيّة وجدل عن الحريات وفكرة الدولة والعلمانيّة، لم يثر شهيّة دور النشر التي قد تترجم إحدى الروايات ثلاث أو أربع مرّات، لترجمة كتب رصينة عن الموضوع تناقشه من زوايا متنوعة، ولم يدفع المثقفين والمختصين العرب لتجاوز كتابة مقالات الرأي بخصوصه إلى الانشغال بحثيًا فيه ونقاشه أو عقد ندوات عنه تقارب أسئلةً عن معنى هذه الظواهر عربيًا وإسلاميًا، أو عما يجب فعله إزاءها.
خاتمة
هذه أزمة معقدة تلتقي فيها مشكلات وظواهر مختلفة. والمهم عند مقاربتها تمييز هذه الظواهر من بعضها، وتعيين حدودها بدقة، لأن تعقيدها يسهّل على الأطراف المستفيدة منها تجويفها وتحويلها إلى حرب خلاصيّة تنتصر للخير، بعد وضع لاصقة قيمية عليها، ما يجعل المواقف فيها انتماءً إلى أحد معسكري الخير والشر.
كما يحدث في الأفلام القديمة، سينتصر معسكر الخير بالطبع، لأن كل أطراف الأزمة يدّعي أنه معسكره، وبرهان كل طرف على ذلك انتصاراته المظفّرة: الصحف تنتشر وتنال الشهرة، ونكراتها يصبحون أبطالًا على حساب الفن والأخلاق وقيم التضامن، والمثقفون الذين يعادون التفكير النقدي يجدون، أخيرًا، فرصة مجّانيّة لا تكلفهم شيئًا، وعلى حساب مجتمعاتٍ منهكة ومسحوقة أو أقليّات هشّة غير مسيطرة إيديولوجيًا، ليلعبوا دور العُمر (مشاعل التنوير) ضد "أعداء الحريّة". والدولة الحديثة، جهاز التسلط الذي لم يعرف التاريخ البشري له مثيلًا في جبروته، تصبح، بضربةٍ واحدة، حامية حمى الحريّات التي "لن تتخلى عن الكاريكاتير"، بل وتنشره على جدران مبانيها الحكوميّة، والجماعات الجهادية تحقق "غزواتٍ مباركة" بارتكاب جرائم القتل ضد مدنيين أبرياء، والأنظمة القمعيّة التي دمّرت البشر والحجر والشخصيات الشعبوية (سياسية ودينية) التي سمّمت العقول وتعتاش على فساد التفكير، تظهر منافِحة عن "كرامة هذا الدين" و"لائقة لشعوبها".
تحضيرًا للجولة المقبلة، من الأفضل الخروج من معسكر الخير الغريب هذا الذي لا يهدأ له بال إلا بتحويل أتباعه إلى جيش من الرعاع ولا يورّث قياداته إلا المكاسب والبطولات المجانيّة، وفرص إلقاء الخطب الرنانة المليئة بالهراء والتحريض. من الأفضل مغادرته والبحث عن طريق يجمع الحقوق والاحترام للقيم وفهم تعقيدات الدنيا، ويقاوم اختلاق التناقض بين أبسط الحقوق الروحيّة والانتماء للواقع.