أزمة الحكم الطائفي في سورية
تحوّلت الطائفية غير المعلنة التي استندت إليها سلطة الأسد في الحكم إلى طائفية صريحة في ظل سلطة ما بعد الأسد. اليوم باتت الطائفية مسموعة على مستوى الشارع ومرئية على مستوى السلطة، وباتت تمارس على الأرض بصورة لا سابق لها. لا يعكس هذا التحول فارقاً بين السلطتين لا من حيث آلية العمل ولا من حيث العلاقة مع المجتمع، بل يعكس الفارق في المستند الطائفي لكل منهما. صحيح أننا اليوم أمام سلطة جديدة العهد في حكم سورية، ولكنها ليست جديدة تماماً على الحكم، فقد حكمت نخبتها منطقة واسعة من سورية حوالي عقد، قبل أن تنقل آليات سلطتها إلى دمشق. في العمق، السلطة هي السلطة، وصفها بالطائفية لا يعني مجاهرتها بالطائفية، ولا حرصها على مصالح أبناء طائفة معينة أكثر من غيرهم، ولا يعني أنها "تحب" طائفة وتكره غيرها، بل يعني أنها تؤسّس لنفسها على الانقسامات الطائفية المتاحة لتمكين ذاتها، ويكون ذلك في الواقع ضد كل الطوائف. وهو ما فعلته سلطة الأمس من دون مجاهرة وتفعله سلطة اليوم وتجهر به. هذا يعني أن الانقسام الطائفي بيئة مناسبة لهذا النوع من السلطة، وأن المسار إلى وحدة الشعب السوري يسير بعكس ما يناسب أياً منهما، ومن الوهم الاعتقاد أن تجاوز الانقسام الطائفي شأن يندرج في سياسات سلطة غير مقيدة أو توجهاتها، العكس هو الصحيح.
القلة العددية النسبية للطائفة العلوية التي استند إليها الأسد، وحاجته لكسب ودّ المسلمين السنة بوصفهم الأكثرية التي لا يمكنه الحكم من دون رضاها العام، جعل اعتماد لغة قومية وعلمانية ضرورة حيوية لسلطة الأسد التي خدمها حينها أن تلك اللغة كانت ترتبط بتوجّهات سياسية لها شيوع وثقل. حظرت سلطة الأسد اللغة الطائفية، وجرّمتها على أنها لغة رجعية وضارّة بالمصلحة الوطنية، وفي الوقت نفسه، مارست، على طول الخط، تمييزاً طائفياً في الدولة، سيما في أجهزة القوة، وثابرت على تمرير تعبئة طائفية مستورة في دوائر الجمهور العلوي القريب من السلطة. على هذا المستوى، كانت تجري دغدغة مشاعر تميز طائفي لدى العلويين من نوع "الحكم لنا"، من دون السماح بخروج مثل هذا القول إلى العلن، لأن ذلك يحرّك شعوراً مضادّاً لدى الأكثرية السنية يزعزع حكم الأسد. وقد كان لهذه التعبئة فاعلية قوية لدى العلويين، أساسُها الشعور العام بالأمان تجاه الدولة، وإن لم تنعكس تحسّناً في حياتهم المعيشية. موضوع الأمان مركزي في حياة الأقليات، ونعتقد أن سنوات البطش الأسدي خلال حوالي عقد ونصف العقد أدخلت هذا القلق في نفوس الأكثرية أيضاً، وهو ما يساهم في تفسير الالتفاف السني الواسع حول سلطة الشرع اليوم، وهو مشابهٌ في آليته النفسية للالتفاف العلوي السابق حول سلطة الأسد.
باتت الطائفية اليوم مسموعة على مستوى الشارع ومرئية على مستوى السلطة، وباتت تمارس على الأرض بصورة لا سابق لها
كانت المعضلة المتأصلة في نظام الأسد أنه بحاجة إلى رضا شعبي سنّي، وبحاجة، في الوقت نفسه، إلى ما يعارض ذلك، وهو تغذية عصبية علوية حول الحكم. ويمكن القول إن تاريخ نظام الأسد هو تاريخ معالجة هذه المعضلة التي تفاقمت إلى حد اضطر النظام، من أجل استمراره، إلى الاعتماد على مليشيات شيعية من أصقاع العالم، كاشفاً طبيعة طائفية سعى دائماً إلى إنكارها.
أجبرت، في 1981، طالبات إحدى دورات المظليين التابعة لسرايا الدفاع حينها، النساء على خلع الحجاب في بعض شوارع دمشق، وعملن على مدّ الحجابات على الأرض كي يعبر فوقها "القائد". كان لهذا السلوك المشين ذي البطانة الطائفية المستورة بلغة تقدّمية كاذبة، أثر الصدمة في المجتمع، ولم يكن ذاك السلوك مفصولاً عن صراع النظام حينها ضد تنظيم الإخوان المسلمين. عقب ذلك، ظهر حافظ الأسد على التلفزيون بلباس عسكري، للدلالة على جلل الأمر، وتكلم بلغة اعتذارية "أقبّل رأس كل أم وأخت وابنة" أرغمت على ذلك، معتبراً أن ما جرى كان مجرّد اندفاع شباب مرفوض، ولا يعبر عن سياسة الدولة، محاولاً احتواء ارتدادات الحدث الذي لم يتكرّر. كان واضحاً حرص الأسد على الاتساق مع التقليد السني السوري، واهتمامه بعدم إثارة المشاعر الشعبية السنّية، وبتحييد هذه الكتلة عن الجماعة السنية المعارضة لحكمه والتي واجهها بالحديد والنار. يمكن القول إن حرص نظام الأسد على مراعاة التقليد السني ما استطاع، يشبه استهتار الشرع وجماعته اليوم بمشاعر غير السنة، كلاهما ينطلق من حسابات السلطة وليس من حسابات المجتمع.
تغذية مشاعر "طائفية" لدى الأكثرية السنية، بغرض الاستناد إليها في الحكم، تنطوي على عنصر مضادّ
مع سلطة الرئيس أحمد الشرع التي تعي نفسها سلطة إسلامية سنية (سبق للرئيس السوري الحالي، قبل أن يصل إلى القصر، أن قال في 2022 إن مشروعه بناء كيان إسلامي سنّي) لم يعد الكلام الطائفي مصدر تهديد للسلطة، صار بالأحرى مصدر قوة، فمن مصلحة السلطة أن تعزز لدى الأكثرية السنية وعياً ذاتياً طائفياً، مستفيدة من شعور المسلمين السنة بتمييز سلبي طالما مارس فعله في النفوس طوال عقود مضت، ومن بطش رهيب طاول أهالي المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد، وهي في غالبيتها الغالبة من المسلمين السنة. يمكن لهذا أن يفسر سكوت سلطة اليوم عن ممارسات تمييز طائفي صريحة تصل إلى مستوى الاستباحة بحق سوريين من غير السنة، وبصورة خاصة العلويين. من مصلحة سلطة الشرع اليوم أن تبث في المجتمع السوري الشعور بأن حكمها يعني حكم المسلمين السنة، وأن يجري النظر إليها أنها تمثل الأكثرية، هذا يعطيها أحقية حكم دائمة بوصفها تمثل أكثرية دائمة. من الطبيعي والحال كذلك أن الكلام عن أكثرية سياسية متغيّرة يغيظ هذه السلطة، لأنه يهدّد نزوعها إلى الأبدية، النزوع المتأصّل في كل السلطات. على هذا، يكون لدى السلطة اليوم رفض مزدوج للديمقراطية، الأول سياسي غير ديني، لأن فكرة الأكثرية السياسية تهدد سيطرتها اليوم أو غداً، والثاني ديني يقوم على فكرة أن "الحاكمية لله". هذا يقول إن وحدة الشعب السوري، الوحدة التي لا تتحقّق إلا بسيادة آليات مستقرة لإنتاج شرعية سياسية عامة، ليست مما تسعى إليه السلطة، وإن الانقسام الطائفي المعلن والصريح يعمل لصالح سلطة اليوم، وأن من مصلحتها العمل على تكريسه.
ولكن تغذية مشاعر "طائفية" لدى الأكثرية السنية، بغرض الاستناد إليها في الحكم، تنطوي على عنصر مضادّ، ذلك لأن هذا المسعى لا يستطيع تفادي تحريض العصب الجهادي الكامن، وهو ما لا يمكن ضبطه والسيطرة عليه، ما سيجعل الحكم الحالي الساعي وراء مقبولية عالمية، مرفوضاً في عيون الخارج الشديد الحساسية تجاه "الجهادية". وهذه معضلة لا يملك الحكم الحالي سبيلاً للخروج منها سوى عبر خروجه من طبيعته الذاتية، أي عبر الانفتاح على المجتمع السوري، والنظر إلى السوريين بوصفهم أبناء شعب لا أبناء مكوّنات.