أزمة الحزام السياسي للرئيس التونسي

أزمة الحزام السياسي للرئيس التونسي

11 يونيو 2021
الصورة

قيس سعيد لدى لقائه رئيس البرلمان الأوروبي في بروكسيل (4/6/2021/الأناضول)

+ الخط -

لم يدرك الرئيس التونسي، قيس سعيّد، الحكم من باب التحزّب، ولا من درْب العمل السياسي والنضال النقابي أو الحقوقي. ليست له سوابق نضالية معتبرة قبل الثورة التونسية، وهو معروف بحزمه الأكاديمي، واختصاصه في القانون الدستوري، وله مريدون في الحرم الجامعي. وصعد نجمه بحضوره في اعتصامات احتجاجية شبابية بعد الثورة، وظهوره من حين إلى آخر على شاشات التلفزيون، مُدْليا برأيه في مسائل قانونية ودستورية خلافية، أو معبّرا عن انتصاره لمطالب المحتجّين ولضرورة تحقيق أهداف الثورة. وفي أثناء خوضه غمار التنافس على رئاسة الجمهورية، أخبر قيْس سعيّد، والمشرفون على حملته الانتخابية والتفسيرية، التونسيين بأنّه قادم من خارج الأحزاب، وأنّه يعد ناخبيه بتغيير النظام السياسي الحالي، وتجريم التطبيع مع إسرائيل، وتمكين الشباب، وبعث مشاريع تنموية/ تشغيلية في مناطق الظلّ. ووجدت صورة الرجل الأكاديمي/ التكنوقراط، المنحاز إلى هموم المهمّشين، وأحلام المعطّلين صدى إيجابيا لدى الناس، ونجح الرّجل في الوصول إلى قصر قرطاج بفضل أصوات المتحزّبين وغير المتحزّبين الذين سلّموا بنظافة يده وبقدرته على التغيير. ووجد الرئيس نفسه، بعد شهور معدودة من وصوله إلى الحكم، بلا حزام حزبي واضح، يدعم توجّهاته السياسية ومشاريعه التغييرية، ويكون سندا له في البرلمان والشارع. ويبدو أنّ الرئيس تبيّن عمليّا صعوبة النّأي عن الأحزاب في بلدٍ يسوده نظام تمثيلي، برلماني معدّل، نواته الأساسية تتكوّن من أحزاب ائتلافية حاكمة وأخرى معارضة. لذلك بحث له عن ظهيرٍ حزبي داخل مجلس نوّاب الشعب. ووجد له سندا متينا من الكتلة الديمقراطية التي تتكوّن من التيار الديمقراطي (22 نائبا) وحركة الشعب (15 نائبا). وأيّد الحزبان الرئيس في استفراده بتأويل الدستور، وفي شوقه إلى تغيير النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي، وفي طموحه إلى التحكّم في مفاصل الدولة. لكنّ المتابع لأداء هذا الحزام الحزبي المساند للرئيس يتبيّن أنّه فشل في تحقيق تغييرات جوهرية في المشهد السياسي، ولم يتمكّن بعد من بلوغ أهدافٍ ما انفكّ يردّدها منذ شهور عدّة، وفي مقدّمتها إطاحة رئيس مجلس نواب الشعب، راشد الغنوشي، وإسقاط حكومة هشام المشيشي، وتفكيك الحزام السياسي المؤيّد للحكومة، وتثوير الشارع ضدّ النظام القائم.

المتابع لأداء الحزام الحزبي المساند للرئيس يتبيّن أنّه فشل في تحقيق تغييرات جوهرية في المشهد السياسي

في سياق التنافس على الصلاحيات بين رئيسي الدولة والبرلمان، دانت الكتلة الديمقراطية مرارا الأنشطة الديبلوماسية للغنوشي، وأكّدت مقولة رئيس الجمهورية قيس سعيّد أنّ "البلاد لها رئيس واحد، وقائد واحد"، يتولّى تمثيلها في الخارج والتواصل مع الدوائر الممثلة للدول الأجنبية في تونس. وبرّر الغنوشي مبادراته في الاتصال بأطرافٍ أجنبيةٍ، بأنّها تندرج في إطار ما يُعرف في العلاقات الدولية بـ"الدبلوماسية البرلمانية أو الشعبية"، وأنّها تهدف إلى تعزيز حضور تونس في المحافل الدولية وخدمة مصالحها الجيوـ استراتيجية. وركبت الكتلة الديمقراطية تلك الجهود الدبلوماسية للغنوشي حجّة لاتّهامه بالسطو على صلاحيات رئيس الجمهورية، والتخابر مع دوائر أجنبية، وتشجيعها على التدخل في الشأن التونسي، وحاولت مرّات تجميع طيفٍ من النوّاب لإطاحة الغنوشي من رئاسة البرلمان. لكنّها كانت في كلّ مرّة تفشل في ضمان اتّفاق 109 نواب على تنحية الرجل من منصبه. وذلك راجعٌ إلى أنّ عددا معتبرا من النواب لا يرى في الدبلوماسية البرلمانية مساسا بسيادة الدولة. كما ترْبط آخرين علاقات تحالف سياسي مع حركة النهضة التي يتزعّمها الغنوشي، ولذلك لا يرغبون في إزاحته. فيما يقدّر غيْرهم المسيرة النضالية الطويلة للرجل ضدّ الاستبداد، ولا يرون موجبا لعزله. ومن ثمّة مثّلت جوْلات الفشل في تنحية رئيس البرلمان علاماتٍ دالّة على أنّ الكتلة السياسية الداعمة لرئيس الجمهورية غير مؤثّرة في البرلمان، وهو المؤسّسة التشريعية الوازنة في البلاد.

على صعيد آخر، كانت الكتلة الديمقراطية، وتحديدا حركة الشعب، في صدارة من روّج مصطلح "حكومة الرئيس"، سعيا منها إلى تحجيم حركة النهضة، الحزب الأوّل في البرلمان (53 نائبا)، وتقليص حضورها في إدارة مسألة الحكم، وكذا تكريسا لهيمنة رئيس الجمهورية على الفريق الحكومي. ومع أنّ هشام المشيشي قد اختاره قيس سعيّد ليتولّى مهامّ رئاسة الحكومة، فإنّ الحزام السياسي المساند لرئيس الدولة ما لبث أن انخرط في حملاتٍ دعائية، مبكرة، مكثفة للتشكيك في كفاءة الرجل وقدرته على إدارة البلاد، والحكم عليه بالفشل من قبل أن يبدأ مشواره الحكومي. لا بل إنّ وجوها في الكتلة الديمقراطية ذهبوا إلى أنّ حكومته ستسقط سريعا، وهي عندهم مجرّد حكومة تصريف أعمال لن تُعمّر طويلا. واشتدّت حملة الكتلة المذكورة على المشيشي، إثر قيامه بتعديل وزاري، هو من صميم صلاحياته. تعديل رفض رئيس الجمهورية التصديق عليه وقبول الوزراء الجدد لتأدية اليمين أمامه. والحال أنّ ذلك واجبٌ فوري، مقيّد، لا يحقّ له رفضه دستوريا، لما يترتّب عن ذلك من تعطيل لدواليب الدولة ولإدارة شؤون المواطنين بحسب قانونيين. ويبدو بحسب مراقبين أنّ قيس سعيّد والحزام السياسي المساند له اغتاظا من أنّ هشام المشيشي خرج عمليّا من تحت جبّة رئيس الجمهورية، ورفض أن يكون مجرّد وزير أوّل ملحق بقصر قرطاج. بل اختار أن يكون رئيس حكومة يمارس صلاحياته في كنف الدستور، فغيّر بعض الوزراء، بناء على تقويم مخصوص لأدائهم، ومن بين المشمولين بالتحوير محسوبون على رئيس الجمهورية، وهو ما لم يرُق لقيس سعيّد والسياسيين الموالين له. ومن ثمّة، بدا الحزام الحزبي المساند للرئيس ميّالا إلى تقديم المصلحة الخاصّة على المصلحة العامّة، ويتعامل مع الحكومة باعتبارها مسؤولةً أمام رئيس الجمهورية، لا أمام البرلمان والشعب، وهي عندهم مجال محاصصة ومشروع غنيمة، وليست مؤسسة سيادية، تنفيذية، تتمتع بقدرٍ معتبرٍ من الاستقلالية.

تبين الرئيس عمليّاً صعوبة النّأي عن الأحزاب في بلدٍ يسوده نظام تمثيلي، برلماني معدّل

وأمام تمسك هشام المشيشي بممارسة صلاحياته الدستورية، وفشل مساعي تشويهه أو احتوائه، التفت فاعلون في الكتلة الديمقراطية إلى الائتلاف الحزبي الداعم للحكومة (حركة النهضة، قلب تونس، ائتلاف الكرامة) قصد تفكيكه. وتمّ في هذا السياق تمرير رسائل مفادها إمكان الإفراج عن زعيم "قلب تونس"، نبيل القروي، في حال سحب الحزب الثقة من راشد الغنوشي، وفكّ ارتباطه بالتحالف الداعم للحكومة. لكنّ قياديين في "قلب تونس" لم يثقوا في تلك الوعود، واعتبروها تندرج تحت طائلة الابتزاز الذي يتعارض مع مبدأ أخلقة الحياة السياسية الذي ينادي رئيس الجمهورية بإعماله، ويرفعه شعارا بعض رموز الكتلة الديمقراطية. وظهرت في هذا المضمار تسريباتٌ منسوبةٌ إلى رئيس الكتلة الديمقراطية، محمّد عمّار، أشار فيها، على سبيل التلميح أو التصريح، إلى أنّ الأمين العام السابق للتيار الديمقراطي، محمد عبّو، ورئيس الجمهورية يسيطران على مرفق القضاء، وكان لذلك صدى سلبي داخل الاجتماع التونسي، تزايدت معه المخاوف من إمكان توظيف القضاء لأغراض سياسية. ولمّا استعصى تفكيك الحزام البرلماني الداعم لرئيس الحكومة، أيّد قياديون في حركة الشعب الرأي المعزول، القائل إنّ رئيس الدولة هو القائد الأعلى للقوّات العسكرية والأمنية على سبيل الإطلاق، ويملك سلطة التعيين والإقالة فيها جميعا، وذلك في مسعى واضح إلى تأجيج الصراع على الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية. وكان غريبا أن ينادي قياديون في "التيار الديمقراطي"، المعروف بمرجعيته السياسية المدنية، الليبرالية، إلى إقحام المؤسسة العسكرية في أتون الأزمة السياسية الراهنة، ودعوتها إلى تسلّم مقاليد إدارة البلاد. ولم يستجب الجيش التونسي، المعروف بحرفيته وحياده، لتلك الدعوات المشبوهة، وحافظ على مسافة واحدة من كلّ الفرقاء السياسيين.

أحرى بمن يريد تغيير المشهد السياسي أن يتفادى أساليب التحريض الإعلامي، والتذاكي السياسي، واستقراب الجيش، والالتفاف على الدستور

بعد هذا، وفي ظلّ السيرورة النسبية لحكومة المشيشي، وبقاء الغنوشي على رأس برلمانٍ مشتّت، حاول الحزام الحزبي الداعم لرئيس الجمهورية تحريك الشارع الاحتجاجي بشعاراتٍ تنادي بحلّ مجلس نوّاب الشعب وإسقاط الحكومة، وتغيير النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي. لكنّ هذه الشعارات لم تستهو الناس، ولم تستقطب جمهور المحتجّين، لأسباب عدّة، منها محدودية الامتداد الشعبي لحركة الشعب والتيار الديمقراطي، واستنزاف تجربة الحكم لكلّ منهما في أثناء مشاركتهما في حكومة إلياس الفخفاخ التي رفعت شعار مكافحة الفساد، وسقطت تحت طائلة شبهات فسادٍ تحوم حول رئيسها. يُضاف إلى ذلك أنّ جلّ التونسيين يعتبرون أنّ البلاد قد حسمت خلال العقد المنقضي مسألة التأسيس الدستوري والسياسي للجمهورية الثانية، والحاجة أكيدة اليوم إلى انتقال اقتصادي ناجع، ورفاه جماعي منشود، ولا تستهويهم استعادة نظام حكم رئاسي/ أحادي، اقترن وجوده في أذهانهم بهيمنة الدولة البوليسية/ المافيوزية/ القامعة.

ختاما، أحرى بمن يريد تغيير المشهد السياسي الراهن في تونس أن يتفادى أساليب التحريض الإعلامي، والتذاكي السياسي، واستقراب الجيش، والالتفاف على الدستور، وأن يجلس مع مخالفيه إلى طاولة حوار وطني، تفاكري، تصالحي، مثمر. وإن لم يَكُن ذلك، فأحرى بالجميع التوجه إلى انتخاباتٍ رئاسيةٍ وتشريعية، سابقة لأوانها، فتحكيم الآليات الديمقراطية أوْلى بأن يُتّبع في إدارة التنافس على السلطة.