أرقام الانتخابات الأميركية

06 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

أياً تكن هوية الفائز في الانتخابات الرئاسية الأميركية، بعد انتهاء المعركة القضائية التي افتتحها دونالد ترامب في مواجهة جو بايدن، فإن هناك مجريات كثيرة على هامشها تستدعي التوقف عندها.

النقاشات في أميركا عكست حجم الاستياء من الأسلوب الذي يدير به ترامب معركة فرز الأصوات في الولايات. تردّد عبارات مثل "أن أميركا هي الخاسرة من كل ما جرى"، وأن ترامب "تسبب بأضرارٍ لا تغتفر"، وصولاً إلى حد اعتبار بعضهم "أنه اختطف" بلده، تبدو واقعية، بعدما سارع إلى إعلان الفوز قبل الانتهاء من فرز الأصوات. وجاء إشهار نيته التوجه إلى المحكمة العليا من دون شرح الأسباب، وقبل توفر أي أسس قانونية لذلك، ليشكل تعبيراً فجّاً عن رغبته بالاستقواء بها. ومردّ ذلك إلى اعتقاده المسبق، من دون أن يكون ذلك بالضرورة صحيحاً، أنها ستكون حتماً في صفه، بعدما ضمن، من وجهة نظره، انحيازها له عقب تعيين القاضية إيمي كوني باريت خلفاً لروث بادر غينسبورغ، ليصبح عدد المحافظين فيها ستة من أصل تسعة قضاة.

وتبدو جميع هذه الممارسات متوقعةً من شخصٍ مثله لا يتقبل الخسارة بسهولة، وليس مستعدّاً للتحول إلى أول رئيس أميركي يفشل في نيل ولاية ثانية، منذ حدوث ذلك مع جورج بوش الأب في العام 1992. ولذلك كان ترامب جاهزاً لأي شيء، حتى إذا تطلب الأمر منه الكذب عشرات المرّات، لا مرة واحدة، واستحضار نظرية المؤامرة وسرقة الانتخابات والتزوير.

أما جو بايدن، والذي أدرك، خلال اليومين الماضيين، أنه يقترب من فرصته الأخيرة لتحقيق حلم لطالما راوده وتعثر في الوصول إليه، فجاء خياره بالمواجهة وعدم الاستسلام بما يتماشى مع محاولته، طوال الأشهر الماضية، تصوير نفسه أنه نقيض ترامب المتهوّر. وإذا كان يسجل للمرشح الديمقراطي حصوله على أكثر من 71 مليون صوت، محققاً رقماً قياسياً في تاريخ الانتخابات الأميركية، فإن العجز عن حسم معركة الرئاسة التي يمكن تصنيفها بأنها واحدة من أكثر الاستحقاقات استقطاباً في تاريخ الولايات المتحدة، بـ"ضربة قاضية وسريعة"، مردّه إلى وجود ما لا يقل عن 67 مليون أميركي يرون أن ترامب يمثلهم، ويعبر عنهم، ولأجل ذلك اختاروا التصويت له.

صحيح أنّ فيروس كورونا نجح في تغيير شكل التصويت، رافعاً نسبة الاقتراع المبكر من 47 مليونا في انتخابات 2016 إلى أكثر من مائة مليون في 2020، وهي نسبة الضعف تقريباً، واستفاد منها المرشّح الديمقراطي. وصحيحٌ أن حضور ثنائية كورونا/ الاقتصاد بقوة في هذه الانتخابات كانت لصالح بايدن، مع ميل جزء كبير من المصوتين إلى اعتبار أن احتواء الوباء يحتل الأولوية، حتى وإن أضر بالاقتصاد، لكن ذلك كله لم يكن كافياً.

قراءة أولية في اتجاهات الناخبين، التي وفّرت جزءاً منها الصحف والمواقع الإخبارية الأميركية، عبر استطلاعات الرأي المبكرة التي أجرتها، تجيب، لو جزئياً، عمّا جرى، نظراً إلى اختلاف حجم العينات وطبيعة الأسئلة. لكن ما هو ثابت في كل ما نشر انحياز المصوتين البيض لترامب، بفارق كبير لا يقل عن 15 نقطة مئوية. ويشكل هؤلاء نسبة تتراوح بين 65% و67% من الكتلة الناخبة في 2020. كما حصد ترامب على ما لا يقل عن ثلث أصوات الأميركيين من أصولٍ لاتينية، فضلاً عن إظهار النتائج الأولية حصده أصواتاً أكثر في أوساط السود مما ناله في انتخابات 2016. تحتاج كثير من هذه الأرقام إلى دراسة، وإلى تفسير أسبابها، بعد فرز آخر صوت، خصوصاً أنها قد تتبدل جزئياً، لكنها جميعها تقود إلى نتيجة واحدة، أن ترامب، بما يمثله من ظاهرة في تاريخ السياسة الأميركية، أثبت أنه لا يزال قادراً، بعد أربع سنوات من الحكم، على إقناع الملايين بأفكاره. وعوضاً عن أن تكون معركة الرئاسة في 2020 تصويتاً من أجل رفض نهجه، جاءت أرقام التصويت الشعبي، لتقول إن لديه قاعدة مؤيدّة ثابتة بعشرات الملايين، ما يعني حتماً أن تأثيره لن ينتهي حتى بخروجه من البيت الأبيض.

joumana farhat
جمانة فرحات