أردنيون فلسطينيون على الحدود

أردنيون فلسطينيون على الحدود

29 مايو 2021
الصورة

أردنيون يتضامنون مع الفلسطينيين في الكرامة على الحدود مع فلسطين (21/5/2021/ فرانس برس)

+ الخط -

ليست الحرب الفلسطينية الإسرائيلية مقطعاً في فيلم، إنها استعادة واستئناف، لحتمية المواجهة الي كانت مؤجّلة، في زمن التقانات الجديدة القائمة على الحضور عن بعد. وبناءً عليه، لا تُقارن الحرب اليوم بحروب سابقة، عربية إسرائيلية، أو على صعيد مواجهات إسرائيل السابقة مع الأشقاء في غزة في الأعوام 2008 و2012 و2014.

فرضيّة إسرائيل التي قامت على أنّ التطبيع مع العرب هو الحلقة الأخيرة في مسلسل الاحتلال والتصفية النهائية، بحجّة أنهم نسوا قضية فلسطين، وأن الفلسطينيين وحدهم، لم تنجح، وذلك خيار إسرائيلي بائس تموّه بؤسه في المواجهة غير الأخيرة، حين كتبت صحف الاحتلال أنّ العرب الذين وقّعنا معهم اتفاقيات سلام "خذلونا"، وهي، أي إسرائيل، لم تعرف أنّ الشعوب لم توقّع.

هنا، يصلح الأردن حالة، في الصراع الإسرائيلي، فهو بلدٌ مرتبط باتفاقية سلام مع العدو وقعت عام 1994، لكن الأردن بلدٌ ممانع في الحقوق الفلسطينية، وداعم لحركة حماس على الأرض، فالدعم الصحي والخدماتي لم ينقطع عن القطاع، وللأردن قصةٌ مغايرةٌ لبقية العرب مع فلسطين، وما قدّمته الحكومة الأردنية من وثائق لدعم حقوق حي الشيخ جرّاح، هو قصة أخرى في معركة التاريخ والوثائق والقوة الناعمة.

أثبتت الحرب عجز إسرائيل عن إذابة القضية الفلسطينية، وكذب الرهان على مقولة إنّ جيل الشباب العربي اليوم بات غير مهتم بالتحرير والجهاد وقضية فلسطين

منذ بدء القضية الفلسطينية مع تصريح السير آرثر جيمس بلفور 1917، والهجرة اليهودية إلى فلسطين، ثم مع الثورة الفلسطينية المجيدة 1936- 1939، وصولاً إلى النكبة وتداعياتها، ثم دولة الوحدة المشتركة (1950-1974)، والتي لم تحظ بتأييد كامل قوى الشعب الفلسطيني، ولا العرب، ثم مع النكسة 1967، وصولاً إلى إعلان الملك الحسين مشروع المملكة العربية المتحدة، أو ما سمّي مشروع الملك حسين (1972)، ثم مع بدء المسار التمثيلي الفلسطيني وقمة الرباط عام 1974 وحتى قرار فكّ الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية 1988 والانتفاضة الثانية، ولاحقاً مسار السلام والوفد المشترك أردنياً وفلسطينياً، وحتى اليوم مع حرب غزّة ومعركة حي الشيخ جرّاح الراهنة، ظلّ الشعب الأردني من أكثر الشعوب العربية تفاعلاً وتأثراً بقضية فلسطين. وبكل حسم، يمكن القول إن الأردنيين اليوم بمكوّنهم (الغرب أردني والشرق أردني)، ويلاحظ هنا لا يقال غرب فلسطيني، هم نواةٌ لأفضل وحدة كان من الممكن أن تقوم، وهي قائمة اليوم على الصعيد الاجتماعي والثقافي، وعلى صعيد الهوية المشتركة، ولا غرابة في أن يقال إن البيت الأردني نصفه أردني ونصفه الآخر فلسطيني.

أثبتت حرب الـ 11 يوما حقيقة الجغرافيا، في هذه العلاقة، فرح الشباب الأردني الذي هبّ من البوادي والمخيمات والمدن، بأن يقف على مرمى حجر من الحدود مع فلسطين لم يعوّضه فرح وشوق، لا بل نجح بعضهم في التسلل إلى فلسطين، عبر ثغرات في سياج الحدود. ولم تتوقع إسرائيل المحتلة ردة فعل الشباب الأردني. والحكومة الأردنية، ضمنيّاً وإجرائياً، كانت مع الحالة الشعبية الأردنية الفلسطينية، لا بل سهلت قوى الأردن الطريق إلى التظاهر، وسهلت الاعتصام المفتوح عشرة أيام أمام سفارة الاحتلال في عمّان. وتصاعد الصوت البرلماني الأردني ليرفع النواب مذكرةً بـ 130 توقيعاً تطالب بسحب السفير الأردني من إسرائيل وطرد سفير الاحتلال. واستثمر الملك عبدالله الثاني كل علاقاته في حشد التأييد للفلسطينيين. وكان لافتاً التنسيق مع الدوحة، وبدت كلمة وزير الخارجية الأردنية، أيمن الصفدي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، واضحةً ولا لبس فيها، في إعلان الأردن أنّ اسرائيل كيان احتلال وأنها سبب الفوضى، إذ كان الصفدي يتحدث، من دون اكتراث لمسار سلام زائفٍ لم يحقق إلا النهايات التي نراها للتطرّف الإسرائيلي. وعلى الحدود المشركة مع فلسطين والأردن، قال الشباب الأردني كلمته، "فلسطين كل فلسطين"، ومع أنّ اقتحام الحدود جرم أمني في القانون، إلا أن الأردنيين وقفوا مستعدّين لكل احتمال في الطريق إلى فتح جبهة مع العدو.

الخاسر الوحيد الرئيس محمود عباس ونهجه، والكاسب الأكبر هو القضية الفلسطينية بذاتها

لقد أثبتت الحرب عجز إسرائيل في إذابة القضية الفلسطينية، وكذب الرهان على مقولة إنّ جيل الشباب العربي اليوم بات غير مهتم بالتحرير والجهاد وقضية فلسطين، وهو أمرٌ لم يتحقق، وثبت أنّ الجيل الجديد، أردنياً وعربياً، أكثر تعلقاً بالقضية، وأكثر رغبةً بمعركة تحرير جديدة. وأسقطت الحرب مقولات التطبيع، وأيقظت الشباب الأردني، وأعادت التذكير بحجم العلاقة الأردنية الفلسطينية وطبيعتها وخصوصيتها، وربما مآلاتها المستقبلية.

وقف الأردن، على الرغم من سنوات الرئيس الأميركي، ترامب، الأربع السيئة، وقف ضد محاولات إنهاء القضية الفلسطينية، وجعلها سلعة تباع على الموائد البخسة لكوشنير، وهو بلد لم يعلن الخضوع للضغط الأميركي الذي أراد أن يختصر القضية بأطرافٍ من غير أهل القضية. لم ينجح ترامب في إذابة القضية الفلسطينية، كما أنّ موقف الرئيس بايدن من همجية إسرائيل ليس حاسماً، لكنه أفضل من ترامب. ويبقى في المشهد الراهن أنّ العرب أعادوا فلسطين وتذكروها، وأنّ الشباب العربي غير قادرٍ على نسيان المشاهد التي يراها في عموم فلسطين أو تجاهلها، وخصوصا في غزة، وأن العدو هو العدو الإسرائيلي، وليس غيره. أمّا في الأردن، فستظل القصة مختلفة، تتوجّه الجموع والحشود، على الرغم من أوامر الدفاع المانعة لها، وفقاً لبروتوكولات وباء كورونا، نحو الحدود ومحيط السفارة الإسرائيلية، بمباركةٍ وتسهيلاتٍ أمنية حكومية، فيظهر الكلام والفعل والملامح بدون تجميل أو إخفاء، وهذا ما لم يُرده نتنياهو، ولا حلفاؤه من الغرب.

أيقظت الحرب الشباب الأردني، وأعادت التذكير بحجم العلاقة الأردنية الفلسطينية وطبيعتها وخصوصيتها

مسوّدات الإعمار لإعادة بناء القطاع ستعدّ، والقوة العسكرية لحركة حماس سوف تزداد، الخاسر الوحيد الرئيس محمود عباس ونهجه، والكاسب الأكبر هو القضية الفلسطينية بذاتها، قضية تأبى الخضوع، لتبقى آخر حركات التحرّر الوطني.

منذ عام 2000، حيث الانتفاضة الثانية، كان ثمّة كلام، قيل للفلسطينيين إن الجنوح إلى العنف كان خطًأً فادحاً، لكن هذا القول أثبت اليوم عدم صحته. لقد أوقفت قوة "حماس "الصاروخية، على تواضعها، هواجس إسرائيل بسهولة ترحيل حي الشيخ جرّاح، وبسهولة اقتحام الأقصى الشريف.

صحيحٌ أن التفاوض أنشأ السلطة الفلسطينية، سلطة عباس الكهلة، لكن السلطة انتهت اليوم محنّطة في المقاطعة في رام الله، وليس لعباس أي تأثيرٍ على جيل كامل من الشباب الفلسطيني والعربي اليوم، في حين أن المقاومة الحمساوية، وفي عموم مدن فلسطين، أحيت فلسطين القضية، وهي التي دفعت الشباب الأردني إلى النزول إلى الأغوار، ليتنسّم عبق الحرية، وهي التي أعادت مقولة: "الموت لأميركا وإسرائيل" في محيط سفارة الاحتلال في عمّان، وفي عواصم عربية أخرى.