... أخيراً وصل قطار الثورة في سورية إلى العلويين
سوريون يحتجون في اللاذقية ضد انتهاكات السلطة (25/11/2025 فرانس برس)
خرجت عدة محافظات سورية، فيها كتلةٌ كبيرةٌ من العلويين في الأسبوع الماضي (يوم 25/11/2025)، باعتصاماتٍ ضخمة بعض الشيء، وأتت إثر هجوم في مدينة حمص لبعض المجموعات من عشيرة بني خالد على أحياء فيها أغلبية علوية، ومارست نهباً وحرقاً وإرعاباً للسكان. جاء الهجوم بعد جريمة قتل زوجين من هذه العشيرة والكتابة على جدران منزلهما بشكلٍ طائفي، بما يوحي بأنّ القاتل علوي، وهناك تسجيل لرئيس "المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سورية والمهجر"، الشيخ غزال غزال، بعد الهجوم، حثَّ فيه العلويين على التظاهر والمطالبة بالحقوق، ولم يَرفض أن يحكم سورية سنّي، ولكنه رفض الانتهاكات.
استغل الشيخ "فتنة" حمص ليدعو إلى التظاهرات. والحقيقة هنا أن انتهاكات واسعة وقعت على سوريين من الطائفة العلوية في العام المنصرم، ولم تتبنَ السلطة خطة لإيقافها أو معالجتها، وهذا أتاح للشيخ ولشخصيات "طائفية" استغلال ذلك، والتحدث باسم العلويين. وهذه مشكلة تتحملها السلطة. رَفعت الاعتصامات مطالب كثيرة، فهناك السياسية، وتتعلق بشكل الدولة، الفيدرالية، اللامركزية، وهناك الاجتماعية، وتتعلق بالطرد من العمل وغياب فرصه، وتوقف الأجور لكثيرين. وفي غياب الاستقرار الأمني واستمرار الجرائم، تصبح العائلات، وهي بالملايين، مهدّدة بالجوع والإذلال الشديد. وهناك مطالب تتعلق بغياب الاستقرار الأمني، حيث تتكرّر حالات القتل والخطف، ولا سيما للنساء، وهناك مطالب للعمل في المؤسّسات الخدمية كذلك، كالشرطة أو الوظائف العامة وسواها. وهناك مطالب حقوقية أيضاً، بالإفراج عن المعتقلين، وهذه أثارت نقاشاً عميقاً... فقد يكون من حقّ السلطة عدم الإفراج عنهم في حال كانوا ضبّاطاً مجرمين، ولكن ليس من حقها رفض معرفة الأهالي أين يوجد المعتقلون ومصيرهم، وهناك كثرٌ منهم اعتقلوا عشوائياً.
هل يمكن أن تصبح علوية سياسية؟ نعم، وهذا إن لم تسارع السلطة إلى اعتماد سياسات تشاركية
لم تكن إذاً التظاهرات فقط استجابة لحادثة حمص أو لدعوة غزال فقط، كانت بسبب سياسات السلطة تجاه الطائفة العلوية واستبعادها وبشكل مقصود عن كل ما يخص الدولة. هذه الاعتصامات، ورغم ثقل الانتهاكات منذ الثامن من ديسمبر/ كانون الأول (2024)، رسالة سياسية واضحة إلى السلطة بضرورة اعتماد سياسات تشاركية، وإيقاف الانتهاكات، وملاحقة المجرمين الذين قَتلوا مئات الأشخاص فقط لأنّهم علويون. الاعتصامات هذه، ورغم أن من قام بها سوريون علويون، ليست فقط مطالب علوية محضة، بل هي مطالب عامة ومن أجل دفع السلطة "ومساعدتها" للانتقال نحو دولة تمثل جميع السوريين، ورفع الظلم والحرمان والإذلال، والتي أوقعها نظام بشّار الأسد وما وقع منها بعد سقوطه. هل يمكن أن تصبح علوية سياسية؟ نعم، وهذا إن لم تسارع السلطة إلى اعتماد سياسات تشاركية.
هل نتجنّى على السلطة بالاستنتاجات السابقة؟ هناك مطلب لكل السياسيين السوريين، والسلطة نفسها لا تتجاهله، ولكنها لا تسير به خطوة واحدة بشكل جاد، وهو البدء بتنفيذ إجراءات العدالة الانتقالية، فهي وحدها التي ستقود إلى السلم الأهلي والمصالحة المجتمعية الوطنية وعودة الحقوق إلى أصحابها. أتاح تأجيل تنفيذها المجال لمختلف أشكال الانتهاكات، وأبقى المجتمع بكليته في حالة خوف من الآخر. كثرٌ من السُنة يخشون سقوط السلطة فيمحضونها ولاءهم المطلق، وتصبح الطائفة العلوية بأكملها فلولاً! والطائفة العلوية تخاف لكثرة ادّعاء أوساط قريبة من السلطة أنها الطائفة التي حمت بشار الأسد، ووحدها التي وقفت معه. ويُستنتج بسهولة من تحليلاتهم هذه أنه ليست لها أيّ حقوق في الدولة الجديدة. الأهم أن مختلف الطوائف تشعر بالخشية من السلطة الجديدة القادمة من هيئة تحرير الشام، وهي تنظيم سلفي جهادي. والسؤال: لماذا لا يخافون إذاً؟ في كل الأحوال، أعلنت السلطة عن حل "الهيئة" بعد الوصول إلى الحكم.
لم يخرج السوريون العلويون بكثافة في ثورة 2011، كما لم تخرج الأغلبية السنية في كل من حلب ودمشق
إذاً اختار السوريون العلويون طريق الاحتجاجات السلمية، بعدما حاول بعض فلول الأسد توريطهم في تمرّدٍ واسعٍ ورفضوا ذلك في مارس/ آذار الماضي، وحتى لجنة التحقيق التي شكّلتها السلطة، ذكرت أن الفلول لم يتجاوزوا الـ290 شخصاً. إذا هناك رفض علوي، ترافق مع رمي السلاح. تقول هذه الاعتصامات إن أصحابها منضوون في الدولة الجديدة، وهي التي تضمن الحقوق لهم. كانت حماية الأمن العام الاعتصامات ردّاً إيجابياً من السلطة نفسها، وقد خرجت مظاهرات مضادة، ومَنع الاحتكاك الواسع بينها. هنا نجحت السلطة بإيقاف تمدّد الفتنة التي بدأت بجريمة حمص وأُريد لها أن تتسّع بذلك الهجوم. ولكن ومهما قيل عن دعوة غزال غزال وأنّها تريد إضعاف السلطة وتوريطها بمذبحة جديدة مثلاً، أو أنّه ينسج مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والزعيم الدرزي الشيخ حكمت الهجري للانقلاب على السلطة، وما إلى ذلك من هذا الكلام، فإن الدعوة إلى الاعتصامات لإيقاف الانتهاكات مسألة حق وعدالة. ولكن هل هذا كل شيء. هل نجحت السلطة، ويجب تعظيم عملها، وانتهى الأمر؟
منذ اليوم الأول لهروب بشّار الأسد، اختارت الطائفة العلوية "الاستسلام" للوضع الجديد، فتخلّت عن السلاح، ووقعت انتهاكات كبيرة فيها، ومطالبات الثلاثاء أوضحت فشل السلطة في الإتيان بوزيرٍ علويٍّ لتمثيلها، ويمكن الكلام نفسه بخصوص الوزير الدرزي أو الوزيرة المسيحية، وبالتالي، ما ذكر أعلاه من مطالب يجب أن تبادر السلطة إلى تحقيقها، وهي تخص كل السوريين، بل وتؤثر على مستقبل السلطة نفسها.
لقد فضلت السلطة الحصول على شرعيتها من الخارج، واحتكار التمثيل السياسي لصالح جماعاتها القادمة من هيئة تحرير الشام أو الباحثين عن مناصب في العهد الجديد. وتقول تحليلات إن السلطة حلّت الهيئة، واستبدلتها بالهيئة العامة للشؤون السياسية التابعة لوزارة الخارجية، والتي تلعب دوراً هاماً، وقد استولت على كل تركة حزب البعث، وهي أشبه بفرعٍ أمنيٍّ؛ تراقب وتسمح وتمنع وتشارك في القرارات السيادية مع المحافظين وكبار الضباط في الجيش والأمن. رغم دعم الخارج لها، هناك الكثير من الاشتراطات الخارجية عليها، وهناك قراءة للقرار الذي أَخرج الرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من قائمة عقوبات مجلس الأمن بأنه وضع السلطة تحت المراقبة بشكل دقيقٍ: شكل الحكم، الانتهاكات، وضع الأقليات، وضع الفصائل السلفية، الأجانب، الحدود مع الدولة الصهيونية، وطبعاً كل سياساتها الأمنية والعسكرية، وربما حتى مظاهرات الثلاثاء الفائت.
منذ اليوم الأول لهروب بشّار الأسد، اختارت الطائفة العلوية "الاستسلام" للوضع الجديد، فتخلّت عن السلاح، ووقعت انتهاكات كبيرة فيها
لم يخرج السوريون العلويون بكثافة في ثورة 2011، كما لم تخرج الأغلبية السنية في كل من حلب ودمشق، وكذلك لم تخرج أحياء سنية في حمص وحماه، فيما تظاهرت أحياء أخرى. خرج أخيراً "العلويون والمدن الكبرى"، وبدأت الاعتصامات تُشاهد في كل المدن السورية ولها مطالب متعددة. فهل نُسخف ونستهزئ ونرفض نزول الناس إلى الشارع؟ الاعتصامات من حقوق الناس، والدولة تكفلها، أيّ دولة، ربما باستثناء كوريا الشمالية.
السلطة معنيّة بقطع الطريق على غزال غزال وحكمت الهجري ومختلف المشايخ الساعين إلى العمل بالحقل السياسي وتسييس الطوائف وتشكيل الدولة الطائفية، ولكن ذلك كله حدث بسبب إدارة ظهرها للسياسات التشاركية ولكل الشعب السوري، وعدم تجريم الخطاب الطائفي والكراهية بشكل ممنهج، وبالترافق مع تجريم الأسدية، والأنكى تقديم نفسها ممثلة عن الطائفة السنية فقط، بل وتنظيم شؤونها دينياً وتجاهل شؤون بقية الطوائف، وهذا الفعل يُقرأ تنظيماً سياسياً! المدخل الحقيقي للشرعية هو الداخل، أي تمثيل كل السوريين في السلطة والدولة، والطريق نحو ذلك هو الدعوة إلى مؤتمر وطني عام، تتمثل فيه كل النخب السورية لمناقشة كيفية النهوض بالدولة، وأن يكونوا ممثلين حقيقيين لمختلف المحافظات، وبكل تنوّعها الديني والقومي والسياسي والاقتصادي والثقافي. كل الشرعية الخارجية قابلة للتبدّد، فهي مشروطة، وهكذا هو عالم المصالح والعلاقات الدولية؛ فهل تعود سلطة الرئيس أحمد الشرع إلى المصدر الأساسي لشرعيّتها بعد مرور عام على هروب بشّار الأسد؟