أخطر جمعة في تاريخ الشرق الأوسط
ترامب يخاطب وزراء في إدارته في البيت الأبيض (26/3/2026 Getty)
في كلّ ظهور لدونالد ترامب يحرص على تأكيد ثلاثة أشياء أساسية: أولاً، نحن أشرس قتلة في العالم، ثم يستعرض إنجازاته في الاغتيالات بوصفها بطولات عسكرية. ثانياً: نحن أصحاب القوّة المفرطة، وعلى ذلك نحن القانون الذي يحكم العالم. ثالثاً: سوف نواصل القتل والتدمير لكلّ من يرفع رأسه أو يحاول امتلاك القوّة في منطقة الشرق الأوسط، ما عدا إسرائيل، باعتبارنا أصحاب الوصاية والحماية على هذه المنطقة وكلّ الذين يطيعوننا رائعون ومن يعارضنا شرير.
في المؤتمر الصحافي للرئيس الأميركي رفقة فيلق "القتلة الطيبين" من ذئاب الصهيونية الإنجيليّة الذين يتولّون السلطة الفعلية في البيت الأبيض تسمع الشيء ونقيضه: الإيرانيون لا يفاوضون ولن يفعلوا، ثم الإيرانيون يتوسّلون إلينا للوصول إلى اتفاق.. الإيرانيون رائعون، ثم الإيرانيون أشرار.. قضينا على قوّة إيران الجوية والبحرية، ثم الإيرانيون هم الشر المُطلق لأنهم يمتلكون سفن زرع الألغام في جزيرتهم التي نريد غزوها.
ثمّة مبالغة هستيرية في ادّعاء القدرة المطلقة والقوّة المفرطة في كلمات ترامب ووزير دفاعه، الصهيوني الصريح، تعبّر عن حالة صدمة وذهول من قدرة إيران على الصمود والردّ بعد كلّ هذه الضربات الإجرامية التي قتلت الطبقة العليا من نظامها السياسي، والطبقة التي جاءت بعدها، الأمر الذي دفع الرئيس الأميركي إلى تكرار هذيانه بأنه انتصر وقضى على إيران إلى الأبد، وهي حالة نفسية تشي بنوع من الرعب يسكن أعماقه وأركان نظامه ممّا ينتظره في حال ارتكب الحماقة الاستراتيجية بغزو الأراضي الإيرانية بقوّات برّية.
من ناحية أخرى، احتشاد أركان الحرب العدوانية الأميركية في مؤتمر واحد عصر أمس الخميس لا يمكن أن يُقرأ إلا باعتباره بيان تدشين المرحلة الأخطر من العدوان الأميركي، بعد يأس البيت الأبيض من حصول احتمال أن تأتي طهران طائعة خاضعة للتهديدات الجنونية التي يطلقها دونالد ترامب منذ مطلع هذا الأسبوع، الذي ينتهي اليوم، والتي يلوّح فيها بالجحيم الذي ينتظر ضفتي الخليج. فالشاهد، أنّه كلّما تحدّث ترامب عن التهدئة والهدنة والمفاوضات كان هذا مؤشّراً إلى أنّه حسم قراره بالتوسّع في العدوان العسكري، وأحسب أنّ هذا ما تُدركه طهران وتحفظه عن ظهر قلب، وتستعدّ له جيداً، وتعرف كيف تحشد له ما يبطله، خصوصاً أن الإدارة الأميركية لا تفوّت مناسبة إلّا تؤكّد فيها أنّها تتحرّك بمعزل عن أيّة اعتبارات قانونية أو أخلاقية، وتصرّ دوماً على إظهار الفخر بأنّها الأمهر كذباً وخداعاً والأكثر جرأة في اغتيال الخصوم الذين تصفهم بالمفاوضين الرائعين.
يلفت النظر أنّ الكيان الصهيوني كان قبل مؤتمر "الحرب" في البيت الأبيض قد بدأ عملياته البرّية في الجنوب، على مرأى من القوّات النظامية اللبنانية، التي اكتفت بالمشاهدة لأخطر مراحل العدوان الإسرائيلي الباحث عن تحقيق حلمه القديم منذ العام 1948 بالتوسّع في الجغرافيا اللبنانية لتكون حدوده شمال نهر الليطاني، ما يعني عمليّاً السيطرة على مياه النهر، وهي العملية التي تنظر إليها واشنطن بوصفها "بروفة عملية" لإجراء أميركي مُماثل في الأراضي الإيرانية من جهة الجنوب، للسيطرة على جزيرة خرج، والانطلاق منها لاحتلال مناطق أخرى في عموم الجغرافيا الإيرانية.
من هنا، يمكن القول إنّ اليوم "الجمعة السابع والعشرين من مارس/ آذار 2027" هو أخطر أيّام تاريخ هذه المنطقة المنكوبة بالاحتلال والخضوع للاحتلال، إذ لم تكن الأهداف الأميركية الصهيونية بهذا الوضوح من قبل، فإمّا أن يخضع الكلّ أو يحترق الكلّ، والشاهد أنّه لم يُعرَف عن الإيرانيين تاريخيّاً أنّهم أمّة خضوع، وبالتالي، فنذر المعركة الفاصلة قد تجمّعت، في يوم فارق، والسؤال هنا: ماذا لدى العرب إذ يشاهدون المرحلة الأولى من تنفيذ مشروع "الشرق الأوسط الصهيوني" تبدأ؟
السؤال هنا عن عرب حقيقيين، وليس عن عربٍ يتحرّقون شوقًا لإزالة إيران كي تنفسح الطريق أمامهم للعناق الكامل مع التصوّر الأميركي لمستقبل المنطقة، ويتفرّغون لإنتاج مقولاتٍ حمقاء عن نفي الصلة بين إيران وقضايا العالم الإسلامي، وفي القلب منها القضية الفلسطينية.
هذا الكفاح العربي لتكريس أكاذيب القطيعة الحضارية والاستراتيجية بين إيران ومُحيطها الإقليمي، وانشغالها الصادق بقضية احتلال فلسطين مردودٌ عليه من أهل القضية الفلسطينية الأصليين، الذين أكّدوا إسهامها المُثبت بشهادات كبار قيادات المقاومة، من الشهيدين إسماعيل هنية ويحيى السنوار إلى خالد مشعل وخليل الحية. هذا الدور ثابتٌ أيضاً من إعلانات الحلف الأميركي الصهيوني المُتعدّدة عن أنّ الهجوم على إيران عقابٌ لها على دعمها الكبير حركات المقاومة في غزّة ولبنان واليمن، والتي يسمّيها الصهاينة والمتصهينون أذرعًا إرهابية.