أحوال المُكوِّن العلوي في سورية... مراجعة الذات وآفاق الولادة الجديدة

08 ديسمبر 2025

عائلات سورية علوية تعبر النهر الكبير إلى لبنان هرباً من عنف طائفي (11/3/2025 فرانس برس)

+ الخط -

على امتداد نصف قرن، وُضع السوريون العلويون في صورةٍ لم يصنعوها، صورةٍ تربطهم بالسلطة أكثر ممّا تربطهم بأنفسهم. ومع انهيار المجتمع تحت ثقل الاستبداد، صار لا بدّ من إعادة النظر في موقعهم ودورهم. واليوم، في ذروة الحدث السوري، يقف العلويون أمام سؤال طال تأجيله: كيف يستعيدون هويتهم من تاريخٍ لم يكتبوه؟ وكيف يشاركون في ولادة سورية جديدة لا يختصرهم فيها أحد؟
وتحاول هذه المقالة فهم الطريقة التي صيغت بها علاقة المُكوِّن العلوي بالدولة والمجتمع، وكيف تشوّهت، بفعل السلطة وخطابات الخوف المتبادلة، المرآة التي يُرى فيها "العلويون"، ويرون هم أنفسهم فيها على نحوٍ لا يشبه تاريخهم ولا واقعهم. فالكلام عن المُكوِّن العلوي، جزء من مراجعة سورية أوسع، تُسائل البنى التي سمحت لنظامٍ واحد أن يحتكر الدولة، وأن يحوّل التعدّد ذريعةً للهيمنة بدل أن يكون أساساً لشراكة وطنية متكافئة.
ابتلاع المُكوِّن العلوي: توريث المنظومة
منذ عام 1963، حين وُضِع المجتمعُ السوري كلّه في إناء الحزب الواحد، بدأ الانصهار الكبير: ذوبان التعدّد في شعارٍ واحد، والتنوّع في قالبٍ واحد، وانصهار المواطنين في كتلة صمّاء لا يُسمح لها أن تقول "أنا". كان حزب البعث، في جوهره، مشروعاً لابتلاع الدولة والمجتمع معاً، وحين جاء حافظ الأسد إلى السلطة، أخذ هذا الابتلاع شكلاً أكثر نهماً وإحكاماً. ابتلع الأسد العلويين كلّهم: احتكرهم وجعلَ منهم درعاً لسلطته، لا قوّةً لذواتهم. وبفعل القمعِ الممنهج، صار سكوتهم ضرورةً وجودية: مَن حاول أن يقول لا، سواء من داخلهم أو خارجهم، جرى سحقه.

تحوّل العلويون مستودعاً بشريّاً للقتال، وقدّموا من شبابهم أعداداً هائلة تركهم النظام بعدها يواجهون المجهول

رسّخ حافظ الأسد سلطته بهندسة طائفية معقّدة: ضبّاط أمنيّون وعسكريون من الطائفة العلوية، واقتصاديون ورجال أعمال من الطائفة السُّنية، ونخب بيروقراطية مدجّنة من طوائف مختلفة. لكنّها، في جوهرها، كانت سلطة الشخص الواحد. لم يكن ما جرى "حكم الطائفة"، كما روّج هو وخصومه، بل كان حكم الأسد باسم الطائفة وضدّها معاً. لم تكن الطائفية التي نُسبت إلى العلويين إلا قناعاً استعمله نظام الأسد الأب ليعزل هذا المُكوِّن عن محيطه من جهة، وليُسخِّر أبناءه لخدمته من جهة أخرى. هكذا غُيّب العلويون تماماً: لم يكونوا موجودين إلا عبر رجال الأمن الذين لا يمثّلون أحداً إلّا سلطتهم، ولا يعنيهم من "الطائفة" سوى أنها رصيد يُستثمَر للترهيب. وهكذا رُسمت صورة قاتمة للعلويين في المجتمع السوري: صورةٌ ابتدَعها النظام ورعاها، لا خدمةً لهذا المُكوِّن بقدر ما هي خدمة لبقائه هو وحده.
وحين ورث بشّار الأسد السلطة، ورث معها المنظومة بأثقالها كافّة: بنيتها الأمنية، سردياتها، علاقتها الملتبسة مع المُكوِّن العلوي وغيره من مُكوِّنات النسيج السوري. لم يُحدِث الابن قطيعةً مع نهج الأب، بل على العكس؛ عمّقه وأعاد ضخّه بصورة أكثر هدوءاً وخفاءً. وعوضاً عن أن يُعيد المُكوِّن العلوي إلى موقعه الطبيعي كغيره من مُكوِّنات المجتمع السوري، شدّ وثاقه أكثر إلى سردية السلطة. وحين سلّم الاقتصاد لأحد أفراد العائلة، بدا وكأنه يمنح العلويين "واجهةً اقتصاديةً" تُضاف إلى حضورهم الأمني المزعوم، بينما كانت الحقيقة أنّه يعمّق الانطباع الزائف بأنّ العلويين يتحكّمون بمفاصل الدولة والمال، في حين أنهم كانوا أبعد ما يكونون عن أيّ نفوذٍ فعلي. فالواقع الاقتصادي للعلويين، كما عاشوه في قراهم ومناطقهم، كان يناقض تماماً الصورة الدعائية التي روّجتها السلطة. لم تكن هناك بنية تحتية تُذكر: قرى غارقة في الحرمان، طرق متهالكة، مدارس فقيرة، غياب شبه كامل للمشافي والجامعات، وبيئة اقتصادية خانقة دفعت كثيرين إلى الهجرة الداخلية نحو المدن الساحلية أو الخارجية، أو الانخراط القسري في مؤسّسات الدولة الأمنية والعسكرية. لم يكن هذا الاندفاع نحو الجيش نابعاً من إيمان بالنظام أو عقيدته أو حتى رئيسه، بل كان بحثاً عن راتب يقي الحدّ الأدنى من الجوع. لقد جعل النظام من الجيش ملجأً اقتصادياً لليائسين، ثم قُدِّم ذلك على أنّه "ولاء طائفي"، وهو في الحقيقة استغلال اقتصادي وسياسي مكثّف لمجتمع مسحوق.
وهكذا، بينما كانت عائلة الأسد تمثّل واجهة "النعمة" في سرديّة النظام، كان العلويون أنفسهم يعيشون في أقصى درجات الفقر. كان النظام يخاطبهم بمنطق الحماية، بينما يمارس عليهم في الوقت نفسه تهميشاً اقتصادياً يضمن بقاءهم معتمدين عليه، خائفين من فقدانه، وأسهل للتجنيد والاستخدام.
الثورة وسردية الاستهداف
وجاء عام 2011. انفجرت الثورة، وانفجر معها تاريخٌ مُثقل بالخوف والدعاية والذاكرة المجروحة. عادت سرديّة النظام الأولى إلى السطح بقوّة: "الاستهداف الطائفي"، "الذبح على الهُويَّة"، "حماية الدولة، لا النظام". كانت هذه السردية امتداداً مباشراً لندوب الثمانينيّات؛ ندوب استخدمتها السلطة في كل لحظة لتعبئة الطائفة وشحنها بالخوف، ولأنّ الخوف أعمق من أن يُمحى بسهولة، ظلّ الصوت العلوي الداخلي يتردّد بين الحيرة والشكّ والارتباك: المعارضة بدت شبهَ مستحيلةٍ، بسبب القبضة الأمنية التي كانت الأقسى داخل بيئتهم، ولأنّ الانتقال خارج سردية النظام كان يتطلّب ثقةً بالسياق الوطني العام لم تتوافر في لحظة انفجار غير متكافئ، ولم تعرف المعارضة أو باقي مكوّنات المجتمع توفيرها لهم.
ورغم أنّ أصواتاً سورية علوية معارضة ارتفعت من داخل الجبال والساحل والمدينة (أصوات قليلة ومعزولة ومحاصَرة)، فإنّ الكيان الاجتماعي الأوسع وجد نفسه مُقحَماً في السردية الرسمية للنظام، نتيجة تاريخ طويل من التخوين والتهديد وتضييق منافذ النجاة.

اللحظة السورية تحتاج إلى لغة تفصل بين الدين بوصفه تراثاً شخصياً والسياسة بوصفها شأناً عاماً مشتركاً

في هذا السياق، وقع الخطأ التاريخي: عدم وقوف هذا المُكوِّن، بوصفه كياناً مستقلاً، أو جماعةً اجتماعيةً، أو حتى "طائفة دينية"، إلى جانب احتجاجات لم تطالب النظام بأكثر من الحرية. كان لهذا الموقف العلوي (لو حدث) أن يساهم بسرعة في إنهاء نظامٍ استخدم أبناء هذا المُكوِّن، ثم استنزفهم وتركهم لمصير مجهول. وهكذا، تحوّل العلويون مستودعٍاً بشريّاً للقتال، وقدّموا من شبابهم أعداداً هائلة. ومع الوقت، صار واضحاً أنّ السلطة استعملت هذا المُكوِّن، وغيره بطبيعة الحال، حين احتاجت إليهم، ثم تركتهم يواجهون المجهول، بينما كانت عائلة الأسد ودوائرها الضيّقة تمضي في نهب الدولة واقتسام الغنائم.
سردية الفلول ومجازر الساحل: إعادة إنتاج الخوف
مع سقوط نظام الأسد، انكشف الفراغ الذي أخفاه القمع الأمني عقوداً طويلة، ومع هذا الفراغ طافت السرديات المتعدّدة والمتنوّعة حول العلويين. وعلى أنقاض المؤسّسات ظهر خطابٌ جديد سرعان ما التصق بالمُكوِّن العلوي: "سردية الفلول". هي سرديّة أعادت إنتاج الخوف، إذ تعاملت بعض القوى في السلطات الجديدة مع العلويين، بوصفهم امتداداً آلياً للنظام السابق، لا مواطنين وقعوا تحت وطأة سلطة استخدمتهم أكثر مما حمتهم. تعمّقت هذه السرديّة حين رُوِّجت، بشكل مباشر أو موارب، فكرة أنّ كل ما يرتبط بالعلويين هو جزء من "مخلّفات" النظام السابق، وأنّ إعادة بناء الدولة تمرّ عبر تفكيك إرثهم الاجتماعي والأمني والثقافي من دون تمييز.
لم تَمضِ أسابيع حتى بدا أثر هذه السرديّة على الأرض. فمع غياب الضبط المؤسّساتي، وانتشار السلاح، وتعدّد الفصائل المسلّحة، اندلعت مجازر الساحل، وكانت سلسلة عمليات انتقامية ومجازر جماعية مدروسة، حكمتها الرغبة في الاقتصاص والانتقام أكثر ممّا حكمتها حقّاً رغبة مطاردة "الفلول". وهكذا وجد العلويون أنفسهم مرّةً أخرى في قلب حلقة عنف، لا بفعل موقعهم السياسي، إنما بفعل رواية تُعيد إنتاج أشباح الماضي. المشهد كان صادماً: ذاكرة الثمانينيّات تعود من تحت الركام؛ الأصوات التي لطالما استخدمها الأسدان: "أنتم مستهدفون"، "سيذبحونكم"...، عادت بلسان آخر، وتحت راية مختلفة، لتوقظ الخوف ذاته، وتعيد تشكيل الانقسام ذاته. إلى جانب هذا كله، لم يَتأخّر الخراب الاجتماعي بالظهور: آلاف المُسرَّحين من الجيش والقوى الأمنية ومؤسّسات الدولة الأخرى، مجتمعات ريفيّة مفكّكة، موظّفون بلا رواتب، وقرى لم تعرف يوماً الخدمات الأساسية. التهمة كانت جاهزةً: "فلول النظام". والحقيقة التي يعرفها كل من عاش في تلك الجغرافيا أنّ الفقر كان القاعدة، وأنّ الانخراط في الجيش أو الأمن لم يكن تعبيراً عن ولاء أعمى أكثر ممّا كان محاولةً للنجاة المعيشية في مناطق تركها النظام عقوداً خارج الحياة الاقتصادية. وهكذا بدا أنّ السلطات الجديدة تحاسب "الطائفة" على نفوذٍ لم تمتلكه يوماً، وتُعاقبها على امتيازات لم تذق طعمها أصلاً.
في هذا المناخ المتوتّر، وبعد سقوط النظام، وما تبعه من مجازر وعمليات انتقامية، بدأ الحديث للمرّة الأولى عن ضرورة وجود إطار علوي يُعبِّر عن مُكوِّنٍ ظلَّ، منذ صعود الأسد الأب، مطموساً داخل صورة واحدة فرضتها السلطة عليه. ومن هنا برزت الحاجة إلى كيانٍ يجمع هذه الجماعة التي خرجت من قلب الكارثة مُثقلةً بجراح قديمة وجديدة. هكذا تشكّل "المجلس الإسلامي العلوي الأعلى" في لحظة حرجة، محاولةً لخلق إطار يُعيد للعلويين صوتهم بعد عقود من الاستخدام والاستثمار والتخويف، ويمنحهم قناةَ تمثيل تُخرجهم من الاحتكار التاريخي الذي فرضه النظام السابق، ومن خانة الاتهام الجمعي التي ترسّخت مع صعود السلطات الجديدة.
وسط هذا التحوّل العاصف، يبرز اليوم تحدٍّ جوهريٍّ أمام المُكوِّن العلوي في سورية: عدم تكرار الخطأ التاريخي الأكبر الذي تراكم على امتداد القرن الماضي، أي مزج الديني بالسياسي، وجعل الانتماء الطائفي وعاءً تُسكَب فيه قرارات تُحدّد مصير الجماعة بأكملها. وهو ما كان قد كرّسه الأسدان بشكل أو بآخر. هذا المزج لم يحمِ أحداً في الماضي، ولم يؤدِّ إلّا إلى تحويل المُكوِّن رهينةً تُقاد بفتاوى الخوف وتُحاصَر بخطابات النجاة.

بدت السلطات الجديدة تحاسب الطائفة العلوية على نفوذٍ لم تمتلكه يوماً، وعلى امتيازات لم تذق طعمها أصلاً

نحو دور وطني جديد
لكن، من هم العلويون اليوم، في سورية؟ هناك مثقّفون، وكتّاب، وفنّانون، وجامعيون، وحقوقيون، وأبناء قرى وجبال، خرجوا من صمتهم الطويل، لا ليدافعوا عن "طائفة"، بل عن شرطٍ إنسانيٍّ انكسر فيهم كما انكسر في سواهم. وهناك طبقة رمادية واسعة: موظّفون، أساتذة، عمّال، مثقّفون، أقاموا حياتهم داخل الدولة من غير أن يكونوا جزءاً من سلطتها. لم يهتفوا للنظام، ولم يخرجوا عليه. ظلّوا في منطقةٍ بينيّة، حيث النجاة نوعٌ من السياسة. هذه الفئة هي الأكثر عدداً وتعقيداً، وهي، مع الأولى، الأقرب إلى حياة الناس وإيقاعها. وهناك منفيّون: شباب وشابّات من مختلف الميادين المهنية، حملتهم المنافي قبل أن يحملوا حقائبهم. غادروا هرباً من الخدمة العسكرية، أو من آلة الحرب التي أرادت تحويلهم وقوداً. وهناك "اليساريون القدامى": سياسيون مُكابِرون، أساتذة ومناضلون سابقون في أحزاب سُحِقت أو شُرّدت، عاشوا السجون والملاحقات، وظلّوا يمارسون المعارضة سرّاً أو في المنفى. لم يتصالحوا مع النظام، ولم تلمّهم "الطائفة". هم، في برزخ اليوم، يحملون تجربة الاضطهاد كما يحملون سؤال الدولة المدنية، ويقدّمون نموذجاً كان النظام يخشاه دائماً، وهم الأقدر على قراءة اللحظة الراهنة. وهناك "الأجساد المكسورة": ضبّاطٌ وجنود سابقون، دخلوا الحرب امتثالاً أو خوفاً أو فقراً. خسروا أبناءهم، بيوتهم، أدوارهم، ثم خرجوا من النظام كما يخرج الجندي من معركة بلا جهة. هؤلاء لا يطلبون ثأراً ولا سلطة، يطلبون اعترافاً بأنهم كانوا جزءاً من ماكينة حرب لم يكونوا مهندسيها، ويجب أن تسرع السلطات الجديدة في تسوية أوضاعهم.
وهناك طبقة الفقراء والمعدومين في الجبال والقرى، عاشوا الفقر وغياب الدولة قبل الأسديْن، وبعدهما. وهي الطبقة التي عانت من المجازر أخيراً، التي قامت بها فصائل وعصابات تابعة للسلطات الحالية. وهناك الطبقة المرتبطة بالنظام السابق أو من يسمّون "الفلول": ضبّاط أمن، قادة مجموعات، مسترزقون، تجّار حرب، ووجوهٌ صنعتها السلطة وارتبط وجودها باستمرارها. هؤلاء هم الإرث الأكثر ثِقلاً على "الطائفة"، لأن النظام سخّرهم كي يظهر العلويون كلّهم على صورتهم. وهناك "المجلس الإسلامي العلوي الأعلى"، الذي تشكّل بعد السقوط، ليعلن نفسه صوتاً للطائفة وحدوداً لهُويَّتها. وهو مجلس، على أهميته، لا يمكن له أن يختصر الطائفة، أو أن يكون صوتها الوحيد والأوحد.
من هذا التنوّع الذي يتشكّل منه المُكوِّن العلوي، تنهض الحاجة إلى إعادة النظر في البنية التي تَشَكّلَت باسمه بعد سقوط النظام. فمكوّنٌ يحمل في ذاكرته طبقاتٍ من التاريخ والفلسفة والبحث والجدل الروحي والاجتماعي والثقافي لا يمكن أن يُختَزَل في هيئة دينية صرفة، ولا أن تُدار أصواته المتعدّدة بمنطق الواحد الذي يتكلّم عن الجميع. لقد أظهرت تجربة نصف قرن، بوضوح جارح، الثمن الذي دُفع حين حُوِّل هذا المُكوِّن إلى ظلّ لسلطة واحدة، وصوت واحد، وصورة معلّقة على جدار القوة، لا دور لها الآن إلا التبرير.
لذلك، يصبح من الضروري أن يتحوّل الإطار القائم إلى مرجعية مدنيّة تُشبه حقيقة هذا المُكوِّن كما هو: وجوه فكرية، وأكاديمية، وحقوقية، وسياسية، وشبابية، وشرائح واسعة لم تكن جزءاً من الحقل الديني. وجود الشخصيات الدينية يظلّ ممكناً، لكن حضوراً بين حضور آخرين، لا سلطة تمثّل وحدها ما لا يمكن جمعه في يد واحدة. فاللحظة السورية، بما تكشفه من هشاشة وبما تفتحه من إمكانيات، تحتاج إلى لغة تُوازن بين الذاكرة والمسؤولية، وتفصل بين الدين بوصفه تراثاً وممارسةً شخصية، والسياسة بوصفها شأناً عامّاً مشتركاً.

الاعتراف بضرورة محاسبة بشّار الأسد ومن تورّط في الدم السوري خطوة لتحرير المُكوِّن العلوي من  علاقة لُفِّقت حوله عقوداً

وحين تترسّخ هذه البنية المدنية، يصبح ممكناً انتقال هذا الإطار إلى مهمّته الأعمق: المساهمة في صياغة رؤية لسورية المقبلة. ليست رؤية دفاعية، ولا خطاب اعتذار أو بيانات تبريرية، بل رؤية تحدّد موقع هذا المكوّن في وطنٍ يُعاد بناؤه على مبدأ المواطنة، لا على إرث القرب من السلطة أو البعد عنها. وفي قلب هذه الرؤية، تبرز مسألة العدالة التي لا يمكن الالتفاف عليها. فالاعتراف بضرورة محاسبة بشّار الأسد ومَن تورّط في الدم السوري هو خطوة لتحرير المُكوِّن ذاته من عبء علاقةٍ لُفِّقت حوله لعقود، وترسيخ انتمائه إلى المجال الوطني العام، لا إلى ظلّ السلطة المنهارة. كما أن على هذا الإطار أن يوضّح موقفه من موضوع الحماية الخارجية، ومن كل دعوة لاستدعاء قوى خلف الحدود ورفضها. فالسيادة لا تتجزّأ، وحماية المُكوِّنات لا يمكن أن تكون بديلاً عن حماية الوطن كاملاً. والالتزام بوحدة سورية وأراضيها يجب ألا يكون شعاراً سياسياً، بل اعترافاً بأنّ العلويين، بتاريخهم وجغرافيتهم وصلاتهم الاجتماعية، جزء من نسيج لا يُفكّكه مشروع تقسيمي، ولا تحميه حدود مصطنعة.
خاتمة
يمكن للمرجعية المدنيّة الجديدة أن تدخل في علاقة واضحة مع السلطة السورية الراهنة: علاقة تقوم على الشراكة في إعادة بناء دولة لم تُنجِز بعدُ عقدها الاجتماعي، دولة يتساوى فيها الجميع في الحقّ والمسؤولية، ويخرج فيها المكوِّن العلوي من موقع "الملفّ" أو "التهمة" إلى موقع الفاعل في مستقبلٍ يريد أن يكون جزءاً منه لا أكثر ولا أقل.
وهنا يصبح من الضروري فتح ملفّات الساحل، وإجراء تحقيقات شفّافة، ومحاسبة المتورّطين في الانتهاكات، وتسوية أوضاع أبناء هذا المُكوِّن، وإعادة الاعتبار لحقوقهم المدنية والمعيشية، فالمواطنة تُستعاد بإجراءات تفكّك إرث العنف وتعيد بناء الثقة بين الناس والدولة، لا بشعارات عامة.
كأنّ ما انكشف في سورية جرح ظلّ محتجباً نصف قرن. وأكثر ما يظهر اليوم أيضاً أمام هذا الجرح هو الإنسان السوري نفسه، الذي يقف وجهاً لوجه أمام تاريخه. وفي المسافة بين ما انتهى وما لم يبدأ بعد، يتقدّم المُكوِّن العلوي (كما سائر المُكوِّنات)، لا بوصفه جماعةً تطلب حمايةً أو امتيازاً، بل بوصفه جزءاً من سؤالٍ أكبر: كيف يُعاد وصل الإنسان بالأرض التي انقطع عنها؟ وبالزمن الذي لم يعشه بعد؟

جعفر العلوني
جعفر العلوني
شاعر وكاتب سوري مقيم في إسبانيا. من فريق عمل قسم الثقافة في موقع وصحيفة "العربي الجديد".