أحمد برين .. المنشد الكفيف

أحمد برين .. المنشد الكفيف

21 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

برفعه الدفّ المدلّاة منه الصاجات، يضبط إيقاع حلقة الإنشاد مع ميلةٍ خفيفةٍ بكتفه إلى الوراء، وكأنه يرى الموسيقى ويلمس نسيمها، على الرغم من أنه لا يُرى بالعين، ولكن حاسّة الأذن تضبط خفايا الغناء وعثرات الموسيقى. وبالدفّ يعيد للموسيقى مبسم الغناء والاعتدال، وكأنه يعيد ملء الكؤوس للراح، بعدما تجاوزت حسنها القناني، والزحام، وحامل الراح وأصواب المجاذيب: "اقعد يا منصور"، يقولها، فتعلو الملامة المحبّبة من المجذوب، سعيا وراء اكتمال المحبّة ما بين المنشد والمجذوب، كي تنتشي باقي الآلات، بعد فاصل من الدلع ما بين "حلقة الغناء" مع المجذوب الذي ضربه الغناء، فأصبح عاطلا، إلا للسماع والمشي وراء المنشد في كل الكفور والنجوع، علاقةٌ صعبٌ أن تقع عليها، إلا في كتاب الأغاني للأصفهاني، وسيرة المجروحين بعد ما عزّ الدواء عليهم، وزاد الغرام وقلّت الحيلة أمام العلل، فأتلفتهم، وما بقي لهم سوى مرهم الغناء وبعض العافية وقلوب أولياء الطريقة والذكر.

ينقلنا أحمد برين إلى جو المودّة ما بين المجذوبين، وحلقة الذكر بخفّة روحه في الرد، ويأتي الغناء سهلا، وفق مقتضى الحال والحفل والنجع، كما في "الرمادي"، والبلد أيضا، كما في حفلته في المغرب: ".. وأسيادي أسياد الناس، سكنوا مدينة فاس، وعلى الأبواب، أنا واقف ذليل". وحينما تعيده نشوة الذكر للنبي "جد الجميع"، ما بين المشرق والمغرب، يقول: "يا دليل يا دليل، يا دليل يا دليل: شرق على النبي يا دليل"، وحينما يأخذه الوجد للمحبوب بعدما أذن الفراق: "سافر حبيبي وجه خلّي يودعني، بكى وبل المحارم، أنا قلت: ليه يعني؟ أنا قلت ده فراق ولا دلع يعني، قال لي: أنت داري بالفرقة وما فيها، فراق الحبايب مرّ يوجعني"، ثم ينتقل بمركب الغناء إلى ضفةٍ أخرى، وهي نصيحة المحبّ، إن نفعت في المحب نصيحة: "والله كلامك، خايل علينا، هات من كلامك، واكتب وادينا، جدّدت حبك، لو ذكرت ربك يا ولدي، تعوم السفينة".

ولا يقعد منصور المجذوب عن مناوشة الشيخ، وحلقة الذكر مبسوطةٌ وتتكتم الضحك وقارا. ولا يكفّ برين عن مناوشة المجذوب أيضا والرد، ومن لحمة الغناء أيضا، من دون أن يخرج من المقام أو يفارق الحال، والدفّ تنعس صاجاته ولا يكفّ منصور، فيصرخ بعد الجملة: "والله أنت بتوزن بالنمنم"، فيوضح الشيخ أحمد برين، إن كان في كفر أو قريةٍ بعيدةٍ في مصطلحات منصور "النمنم" وهي "السيكة الصغيرة"، التي كان يزن بها التجّار القطن أو الحرير. وهذا بالطبع من ثناء المجذوب على بلاغة المنشد وحسن سبكه، ولا يكفّ المجذوب عن الصراخ من لطافة دلال الذكر واتساع صدر الشيخ.

يعيد الشيخ أحمد للدف وقاره، ويهمد قليلا من صهللة الصاجات، بالدقّ خفيفا على حنان جلده، والخشب بعد مجاذباته مع المجذوب "منصور". وينتقل بالسفينة، سفينة الذكر، إلى مقام آخر، ويضبط دائرة البوح، حتى يدخل متمهلا إلى "وجع الليل"، يميل خفيفا إلى الوراء، ويدوس على وسادة الليل الذي جرّح الأكباد والمحبين، فيصرخ ثانيةً منصور، فيعيد عليه الكلام برائحة العتاب: "اسكت يا منصور"، فيسكت منصور، يعيد وضع أصابعه حول صيوان الأذن، ويميل، ويضيع في الطرب، حتى يبدو بياض العينين اللتين أضرّهما المرض في طفولته، وتعلو الروح بالـ"آه"، فيعتدل المقام والنسيم، ويصمت تماما منصور، حتى يفيض الراح، فيبدأ وكأنه يتراقص في دلال، ويأتي الكلام من الروح مسبوكا بلا جهد ولا صنعة خائبة، يصير الشيخ بهلولا يحلّق وراء خلق المعاني، مرّة من رحيق التواشيح، ومرّة من فيض معاني القرآن الذي حفظه صغيرا، ومرّات من مطالع الغناء أو الحكم الشعبية، كلها أسانيد تأتي كي يحلق الشيخ عاليا بالذكر، فيسكت تماما منصور أو تضيع همهماته في جوقة الغناء تماما، وكلام مسبوك يسدّ فجوات الكلام ويملأ الذكر ويخرج من لواعج الأتباع ميلاتٍ ودمعا، حتى خصوم الذكر، لو كان في الذكر خصومة، كما في حالة "فرش وغطا" مع تلميذه محمد العجوز، بعدما صار مشهورا وانفصل عن الشيخ.

وفي نهاية الخصومة، تضحك المباسم، ويصير الشيخ بمثابة "بيرين من المعاني والماء والذهب"، وقد فاض كلٌّ منهما بالحسن والراح، حتى شرب التلميذ، العجوز، منهما فاعتدل عوده، ويتطوّح دفّ الكرم في أيدى الاثنين، في ما بعد في "السفينة"، على أطراف الشيخ والتلميذ ويفيض المعنى على الجميع تصالحا، ويعيد منصور المناوشة، كي يشعل الحلقة فيقول له الشيخ: "اسكت يا منصور"، ولا يسكت منصور أبدا، كي تتوالد المعاني تباعا في الصدور تحت سعف النخيل في "إسنا"، أو "الرمادي"، والنيل خلف الجميع يمشي على الطمي نشوانا بالغناء والنسيم والطير، فهؤلاء مساكين، وقد هبط عليهم النهر، كما قيل، من الجنّة، فظلّوا هكذا في سعادة، بعد الشقاء، بالغناء والذكر، فما أتعس من ظلمهم في قوتهم ومعاشهم.