أحلام وآلام على بوابة معبر رفح
مشهد من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة (2/2/2026 Getty)
في اللحظة التي كنتُ أخرج فيها من غزّة، وأخطو أولى خطواتي نحو عالمٍ مجهول، تاركةً جحيم الحرب خلفي، كنتُ أشعر أنني لن أعود إلى هذا المكان الذي عشتُ فيه نصف قرن إلا تحت شروطٍ قاسية. ورغم أن خروجي وسط أتون حرب الإبادة لم يكن سهلًا، فإنه لم يكن خياراً؛ إذ كنتُ أؤمن بأنّ النجاة حقٌّ لكلّ نفسٍ بشريّة. غير أن إحساسي بالغصّة في قلبي، والحرقة في روحي، لم يفارقاني، فيما كانت سحب الدخان الناتجة من القصف تتلاشى خلفي، لتبتلعني مدينة القاهرة مقيمةً بلا حقوق، لا بصفتي زائرةً خفيفة كما كان يحدث في كل مرّة أزور فيها هذا البلد الكبير، الذي ربطته بقطاع غزّة الصغير، قياساً بمساحة مصر، روابطُ جغرافية وتاريخية لا تُنسى، ويضع بصمته الأكيدة عليها ما يُعرف بمعبر رفح.
عادت بي الذاكرة إلى ماضٍ أليم، إلى إجبار الشباب على الخروج من غزة إبّان نكسة عام 1967، بعد تجميعهم قسراً في حافلاتٍ ضخمة، ونقلهم من غزّة إلى مصر، ومنع إسرائيل عودتهم إلى القطاع. ثم حدثت تسهيلاتٌ ضيّقة، اقتضت أن تكون العودة محصورةً في حالاتٍ إنسانية. أذكر محاولات جدّيّ العجوزين من أجل عودة ابنهما النازح؛ كانا يحاولان الحصول على تصريح زيارة له، لا إقامة دائمة، وفي كلّ مرّة كان الرفض يأتي من الإدارة المدنية التابعة للحكم العسكري الإسرائيلي للقطاع، من دون إبداء الأسباب.
في حقبة السبعينيات والثمانينيات، وقبل إبرام اتفاق أوسلو، الذي أتاح للمبعدين شباباً من غزّة أن يعودوا إليها بعد أن اشتعلت رؤوسهم شيباً، كنتُ أسمع عن مساوماتٍ إسرائيلية للأهالي، للسماح لأولادهم بدخول القطاع على سبيل الزيارة شهراً واحداً، وفق تصريحٍ ورقي خاص أزرق قميء، يذكّرك بلون علم إسرائيل. ومن تلك المساومات القذرة، محاولات إسقاط بعض الأهالي في وحل العمالة، مُستغلين بذلك آباء وأمهات مُتلهّفين لاحتضان أولادهم الذين أصبحوا أرباب عائلات في الغربة.
هكذا كنتُ أخرج، وأسطوانةٌ قديمة لفيلمٍ سينمائي شاهدته مرّاتٍ عدّة تدور في رأسي. واستقرّ بي الحال في مصر قرابة عامين، والشوق في قلبي لا ينطفئ، وأسئلة بلا إجابات تلاحقني ليلاً ونهاراً حول هذا التاريخ السمج، وهل سيصرّ على أن يعيد نفسه هذه المرّة بنزوحي القهري. وقد تأكّد لي هذا مع تنامي الأخبار الواردة عن نيّة إسرائيل إعادة فتح معبر رفح، الذي احتلّته مع احتلال المدينة خلال حرب الإبادة. وكان أوّل ما رشح من أخبار أن يكون عدد العائدين أقلّ بكثير من عدد المغادرين، ما يفسّر النيّة المبيّتة لتحويلنا إلى نازحين بلا حقوق خارج القطاع. فخروجنا من جحيم الموت لم يكن، ولو لحظة واحدة، انتقالاً إلى الجنة. فقد خرج عشرات آلاف من القطاع خلال الأشهر التسعة الأولى من الحرب، بذرائع مختلفة، إلى بلادٍ عربية وأجنبية، واستقرّ آلافٌ في مصر جرحى ومرضى وهاربين من الحرب، على أمل العودة إلى ديارهم مع إعلان إعادة فتح المعبر.
في بحر هذا الأسبوع، أُعيد فتح معبر الذلّ، ليطرح تساؤلاتٍ كثيرة، ويعيد ذكرياتٍ أليمة إلى ذاكرة كل غزّيّ نفذ من هذا الأنبوب الضّيق ذات مرة، محاولًا أن يتنفّس بعد أن قبع في سجن غزة الكبير. وقد عادت فعلًا لعنة التاريخ السمج، الذي يمدّ لسانه في كل مرة لأهل غزة البائسين، مع شرطٍ مجحف وضعته إسرائيل، منع عودة الأطفال الذين وُلدوا خلال الحرب. وبالطبع، سيُمنع ذووهم من العودة إلى القطاع، ما يعني أن مصيرهم سيظل مجهولًا، وهم لا يحملون شهادات ميلاد صادرة عن القطاع، حسب أولى شروط الحصول على جواز سفر صادر عن السلطة الفلسطينية، والذي يحمل رقماً وطنيّاً وفق اتفاقية أوسلو.
وهذا غيضٌ من فيض، ستكشف عنه الأيام المقبلة التي تصرّ على أن تكون أياماً قاتمة للمحاصرين والنازحين على جانبي معبر رفح.