أحزان مؤجّلة في غزّة
جنازة جماعية لأفراد من عائلتي أبو شريعة والحساينة في حي الصبرة في غزّة (3/8/2026 Getty)
عندما يُذكر اسمٌ ما ويتردّد كثيراً في الأخبار، من الطبيعي أن تلتمع ذاكرتك البعيدة، والحقيقة أنك لا تزال تذكر، بكل دقة، تفاصيل الأمس البعيد، بينما تنسى اليوم أين وضعت نظارتك، بل قد تكتشف أنها فوق عينيك، وتتذكّر ما يشرحه الأطباء عن الذاكرة، فتفرح لأنك لا تزال تملك شيئاً لم تستطع المنافي أن تنتزعه منك، شيئا حملته معك حين خرجت من وطنك مرغمًا؛ إنه الذكريات التي تروي لروحك تاريخًا موجعًا، ومحطاتٍ مضيئة أيضًا.
سمعت اسم حيّ الصبرة كثيرًا خلال الأيام الماضية، فتذكرت بيت خالتي المتهالك هناك، الذي لم يكن له بابٌ من الأساس، وعادت إلى أذني أصوات جيرانها بلهجتهم المحببة، وتذكرت رجال الحيّ بسراويلهم الشامية الأصيلة، فيما كانت الشوارب الكثيفة تمنح وجوههم هيبة لا تخطئها العين، أما رائحة المعسل المعتق، فقد عرفتها لأول مرة في ذلك الحيّ، ورأيت "الأرجيلة" للمرة الأولى، واكتشفت أن لحيّ الصبرة روحًا لا تشبه سواها، فالناس هناك يعيشون كعائلة واحدة، والدليل أن بيت خالتي الفقير لم يكن له باب، لكن الجوع أيضًا لم يكن يعرف طريقه إليه، فرغم كثرة أولادها، لا تعرف من الذي جاء بطبق من الطعام الشعبي الذي اشتهرت به نسوة الحيّ، لكنك تجلس بينهم لتأكل، وتختزن لذلك الطعم ذاكرة لا تسمح للسنين بأن تطفئها.
ومع حلول انتفاضة الحجارة، أصبح اسم الحيّ يتردد في الأخبار بوصفه أحد معاقل المقاومة الشعبية، وبينما انتقلت خالتي إلى بيت آخر ضمن مشاريع تفتيت التجمعات السكانية التي شرعت بها إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، واستقرت في حيّ النصر الحديث، بقيت ذاكرتها معلقة هناك، في أزقة الصبرة، كأنها لم تغادرها يومًا.
وخلال حرب الإبادة هذه، تجلت آيات الصمود بكل صورها في حيّ الصبرة. فقد أصرّ أهله على البقاء رغم أوامر الإخلاء، وتمسكوا بمنازلهم، فجاءت الطائرات لتدك البيوت بالصواريخ وتحولها إلى قبور جماعية. وهكذا تحولت البيوت نفسها إلى قبور مؤقتة، بعد أن سطّر أهلها، على مرّ الأجيال، صفحات مشرقة ومميزة من البطولة والفداء، فأصرّ ذلك الحيّ التاريخي على أن الرحلة الأخيرة لا يجوز أن تُرفع فيها راية الاستسلام، فأصبح البقاء تحت الأنقاض، لا الفرار منها، آخر أشكال المقاومة الممكنة لمن لم يعودوا يملكون خيارًا آخر.
وهكذا تلتمع ذاكرتك من جديد، لكنها هذه المرة تبكي بعد انتشال نحو 112 جثة لشهداء من عائلة واحدة، كانوا يسكنون في بيوت متلاصقة، بعد 136 ساعة عمل طويلة من الحفر المضني بإمكانات محدودة وعلى مدار أسبوعين، لتكتشف أن الاستسلام لفكرة الموت نفسه ظل مؤجلًا، ما دامت الجثامين غائبة، وما دام الوداع الأخير لم يأتِ.
بعد نحو 32 شهراً، عاد اسم "عائلة أبو شريعة" إلى واجهة الأخبار، وكأن الزمن قد توقف بمن بقي منهم على قيد الحياة عند اللحظة التي غاب فيها أحباؤهم تحت الأنقاض، ثم عاد ليتحرك فجأة، باحثًا عن ملابس حداد سوداء، وطقوس عزاء تأخرت أكثر مما يحتمله قلب بشر. جاءت لحظة التشييع المتأخرة لتؤكد أن الجنازة الجماعية ليست مجرد مراسم دفن، بل شهادة جديدة على أن الحرب لا تقتل في لحظتها فقط، وإنما تمتد آثارها إلى سنوات ثقيلة، تاركةً عائلات معلقة في انتظار أبسط الحقوق الإنسانية؛ منها حق الوداع الأخير، وحق أن يُوارى الأحبة الثرى بكرامة.
ولأن حيّ الصبرة لم يكن يومًا حيًّا عاديًّا، فإنه لم يتوقف عن كتابة حكايته حتى في أكثر فصولها وجعًا حين حمل المشيّعون نعوشًا من عظامٍ ورفات، وليؤكّد هذا الحيّ، الذي ارتبط اسمه بالصبار قديماً، وبصبر أهله، أن الأحزان المؤجلة أشد قسوة، لأنها تكبر بصمت، وتتغذى على لهيب الانتظار، حتى إذا ما انفتحت القبور دفعة واحدة، وانفجرت معها الدموع معلنةً عن محطة ليست الأخيرة في تاريخ حيّ لا يموت؛ لأنه تعاهد مع الزمان على الصبر الذي لا تطيقه الجبال.