أحرار ومجانين

أحرار ومجانين

08 مارس 2021
الصورة

(ضياء العزاوي)

+ الخط -

حين يهتف الواحد منا، في لحظة انفعال وغضب، قائلاً بتحدٍ "أنا حرّ وسوف أحيا حياتي كما أريد"، تُرى هل ندرك أو نعني ما نقول حقا، أم أنها مجرد أمنيات وتطلعات وأشواق إلى الانعتاق من القيود، تلك المتمثلة في كل أشكال السلطة من أبوية ودينية وسياسية ومجتمعية القيود الباهظة التي تحدّد مسار حياتنا منذ اللحظة الأولى، فتكبلنا بمجموعة قوانين وقواعد ومفاهيم وأعراف وأنماط، تتخلل تركيبتنا النفسية، وتستقر في لا وعينا باعتبارها قيما عليا، علينا السعي إلى بلوغها، كي نحصل على الإقرار والقبول ضمن الجماعة التي لا تتوانى عن لفظنا أفرادا غير مرغوب بهم خارجين عن المألوف. عندها لا نملك سوى الانصياع لشروطها التوفيقية المهادنة على حساب حقيقتنا وجوهرنا ورغبتنا في الخلاص من سطوتها، والتمسّك بفرديتنا وتفرّدنا ورفضنا هيمنة السائد المتفق عليه. في هذه الحالة، قد يتم التشكيك حتى في سلامة مداركنا العقلية.
لعل الجنون هو المبرّر الوحيد المقبول عرفا لاستحقاق الحرية، بمعناها المطلق غير القابل للمساءلة، وكثيرا ما اتُّهم عبر التاريخ شعراء وفلاسفة ومفكرون وعلماء ومخترعون بالإصابة بالجنون، وقد زجّ بعضهم في مصحات الأمراض العقلية، لأنهم عبّروا بكل صدق، وبدون ضوابط أو محاذير عن دواخلهم من مشاعر ومواقف وأفكار، فأثروا الإنسانية بإبداعاتهم التي بعثها وعيٌ منفلتٌ وإحساسٌ حقيقيٌّ بالحرية وقدرة استثنائية على التعبير عن ذواتهم من دون حسابات، لمطابقة صورتهم للمتوقع والمفترض والمقبول، مضحّين في ذلك كله في مقابل تحقيق الانسجام مع أنفسهم من دون نفاق أو مجاملة أو مواربة، هؤلاء الذين نطلق عليهم صفة مجانين هم من أحدثوا الاختلاف، وساروا بالبشرية إلى حيث التطور والإنجاز، وهم وحدهم من دفعوا الثمن باهظا.
الحرية كما يعرّفها علم النفس هي تحرّر من القيود والخوف والعوز، وهي إذا ما جرّدناها من بعدها الرومانسي الجمالي جوهر السعادة ومضمونها، بل هي من أهم دوافع الحياة التي تفقد المعنى، في حال عدم توفرها شرطا أساسيا لجدوى الوجود، وهي حافزٌ أساسي للمعرفة والتنوير والإبداع والجمال، وهي قوة دافعة لتحريك أفراد المجتمع وتفجير طاقاته. يرى عالم النفس والفيلسوف الألماني، إريك فروم، أن للإنسان القدرة على التحكّم في حياته وتوجيهها، وأن من يتبعون مبدأ الحتمية يتنازلون طوعا عن حرّيتهم، وبمحض إرادتهم. من هنا، يثور السؤال الوجودي الموجع حول حقيقة حريتنا؛ هل يكفي أن نمتلك وثائق سفر، وأن نقرّر طبيعة عملنا ودراستنا ورفاق الحياة الذين نختارهم ونوعية الأطعمة التي نفضلها، وأي طقسٍ يعجبنا أكثر كي نطلق على أنفسنا صفة أحرار؟
المسألة أكثر تعقيدا وصعوبة مما نتخيل، سيما أننا نشأنا على التلقين، تقريبا في كل تفاصيل حياتنا. لم نتخذ قرار الحياة من حيث المبدأ، بل فوجئنا بوجودنا فكنّا الثمرة، عجينةً هشّة، تشكلها المؤسسة نسخة أخرى مكرّرة مجردة من حق الاختيار، تقيدنا الأسرة بمفاهيمها، كما تفعل السلطة السياسية، حين تقيدنا بقوانينها وتشريعاتها، وتتوعدنا السلطة الدينية بالجحيم ونار السعير لو أعدنا التأمل في مسلّماتها، كما يربطنا المجتمع بتوقعاته المسبقة. وفي هذه اللحظة العصيبة الراهنة، يبدو ذلك كله مجرّد تفاصيل، قد لا نملك ترف التنظير حولها، إذ يكبلنا وباءٌ تافه صغير، يتحكّم بخبث ولؤم في مجريات الكون بأسره، فتعلن دولٌ كبرى عجزها عن مواجهته، وتفرض على مواطنيها قيودا لا حصر لها، يحصد الأرواح ويعطّل الحياة ويجوِّع البشر. يحجرنا في البيوت كفئران مذعورة، تفكّر ألف مرة، قبل أن تفتح الباب، رعبا من تسلل الوباء الذي أحكم وثاقه على كل مفاصل حياتنا، ثم نجرؤ بعد ذلك كله على القول، من دون أدنى إدراك، إننا أحرار، وإننا سنفعل كل ما يحلو لنا!