أبو العتاهية حَكَماً في تونس

أبو العتاهية حَكَماً في تونس

10 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

ليس الخبر أن الرئيس التونسي، قيس سعيّد، رفض التصديق على مشروع قانون إنشاء (إرساء) المحكمة الدستورية، كما رُفع إليه من رئاسة مجلس نواب الشعب (البرلمان)، فلو وافق عليه، لما كان الذي صرنا نعرف، رجلَ شقاقٍ وتأزيم وتوتير. وليس الخبر أن سعيّد زاول، في أمره هذا، حقّا دستوريا، فقد صرنا، نحن العامّة، على فائضٍ من الدراية بالدستور التونسي، من فرط ما تزوّدنا عنه الصحافة منذ أزيد من عام، مع أخبارها عن وقائع كثيرة تخصّ صاحبنا هذا، فهو يكاد يكون متفرّغا لشرح ما يجيزه الدستور وما لا يجيزه. وليس الخبر أن رئيس تونس عثر على ذرائع استأنس بها لردّ مشروع قانون إقامة المحكمة، ولا أن خبيرين، بعضُهم أعرفُ منه بدستور البلاد وقوانينها، عقّبوا على هذه الذرائع بما يفيد بنقصان وجاهتها. وليس الخبر أننا، كما في مرّة سابقة، لم نتثّبت أن قيس سعيّد هو نفسُه من خطّ رسالة الردّ بالريشة وبالخط المغربي أم خطّاطٌ في قصر الرئاسة، فلم نشاهد منه سوى أنه يهيئها، ويتملّى فيها، ويوقّعها، كما سابقة لها قبل شهرين، رفض فيها تعيين موعدٍ لاستقبال وزراء جدد لتأدية اليمين أمامه، وقد صاروا في الحكومة بموجب تعديلٍ وزاريٍّ مقترح مرّره البرلمان. وليس الخبر أن أستاذ القانون ارتكب خطأ يجوز وصفُه فادحا في رسالته (الطويلة صعبة القراءة)، لمّا جاء على قانونٍ في البلاد، مشيرا إلى صدوره في عام 2015، فيما الصحيحُ أن يأتي عليه قانونا مصادَقا عليه في 2021. وليس الخبر أن الرئيس انتهك أعراف المخاطبات الرسمية، وأصول المكاتبات بين البشر، عندما جاء على اسمه، قيس سعيّد، ثم لم يسمّ من تتوجّه الرسالة إليه، وهو رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، إيحاءً بالتبخيس من شأنه، الأمر الذي يجيز رمي هذا السلوك بأنه منقوصُ اللياقة.

.. إنما الخبر في رفض قيس سعيّد التصديق على مشروع قانون المحكمة الدستورية أنه، في الرسالة المتحدّث عنها، يقطع شوطا متقدّما في جعل رئاسة الجمهورية التونسية منصّةً للتفكّه عليها، والتندّر على ما يصدُر منها. وكان الظن (أو حسن الظن ربما) أن ردود الأفعال الواسعة في تونس (وخارجها) على نوباتٍ بدرت منه، عزّزت هذا الحال، ستجعلُه يعدّ إلى العشرة قبل أن يجنح إلى موقعةٍ جديدةٍ من ضرباته المضحكة، غير أنه باغت جمهورَه (تتزايد أعداده للتسرية أحيانا) بالرسالة هذه التي تستثير في النفوس حيرةً بشأن ما يمكن أن يصنعه التونسيون، وهم يغالبون حالا مقلقا ما ينفكّ يزداد رداءة (مثلا، ارتفاع البطالة إلى 17%، وعجز الموازنة بنسبة 11,5% من الناتج المحلي الذي تقلص بنسبة 8%). وتستثير في النفوس ذاتِها حزنا ظاهرا. ذلك أن قيس سعيد يذهب إلى أربعة أبياتٍ شعريةٍ، لا ينسبها إلى صاحبها، ثم نعرف أنه استلّها من قصيدة طويلة للشاعر العباسي أبي العتاهية (ما ضرّ الرئيس لو أورد كل أبياتها؟). تتّسق مع المنطوق العام للرسالة، وهو أن أجَلَ تقديم مشروع قانون المحكمة الدستورية انقضى، فيبطُل مشروعها المرسل إلى الرئاسة في هذا الميقات، على ما يفيد الدستور، وعلى ما يفيدنا أبو العتاهية لمّا قال (.../ .../ وإن لكل حادثةٍ لوقتا/ وإن لكل عمل حسابا./ ...).

يدعم قيس سعيّد بديهية انقضاء أجل "إرساء" المحكمة الدستورية بإحالاتٍ إلى شروحٍ لمواد في الدستور، الذي له علويّتُه كما أسهبت الرسالة، وبما يفيد به سيبويه عن واو التتابع، وإن كانت التوابع تليها الزوابع، على ما جاء في رسالة ابن شهيد الأندلسي، على ما أحاط به رئيس تونس مواطنيه، وقد افترض بهم ربما عدم درايتهم بقولة أبي العتاهية، ولا بكشوفات سيبويه وابن شهيد، فأعلمهم بهما. والدستور "منح رئيس الجمهورية وحده اختصاص الختْم، وخوّل له حق الرد". وحسنا صنع الرجل لمّا أحال إلى ما شرحه الفقهاء واللغويون عن معنى مفردة الختْم هنا، ولمّا خصّ منهم صاحب "تاج العروس" (من دون أن يسمّيه، المرتضى الزبيدي).

ولمّا انعدمت السياسة في واقعة رسالة قيس سعيّد إلى رئيس مجلس النواب (ما اسمه؟)، ولمّا تعطّلت لغة الحُكم بصفتها لغة سياسةٍ وإدارةٍ لشؤون البلاد والعباد، لم يكن في الوُسع أن يتنكّب واحدُنا تحليلا سياسيا لهذا المستجد التونسي، أو تعليقا أو موقفا أو رأيا، فكان الكلام أعلاه، فالرسالة تشرح نفسَها بنفسها، وتنطق بركاكةٍ وبؤسٍ مريعيْن باتت السلطة في تونس تقيم فيهما. واختصارا، صحيحٌ أن مشكلاتٍ غير قليلة تُغالبها تونس، ولكن من الصحيح أيضا أن قيس سعيّد صار من أبرز هذه المشكلات، ليس فقط بشاهد شاعرٍ زاهدٍ بعد مُجون، كنيته أبو العتاهية، وإنما بشواهد غير قليلة تخصّ رئيسا تُوهِمنا شعبويّته بزهده بالسلطة، فيما الحقيقي أنه مجنونٌ بها.