أبعد من "مليشيات وقحة"

31 يوليو 2026

أصاب الزعيم العراقي، مقتدى الصدر، في وصف مليشياتٍ في بلاده، تأتلف في ما يطلق عليه "الحشد الشعبي"، بأنها وقحة، بعد استهدافها أول من أمس منشآتٍ بتروليةً سعودية، فنفّذت الرياض، بتنسيقٍ مشتركٍ مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، "ضربات نوعية محدّدة"، بتعبير بيان رسمي، استهدفت مواقع لتلك المليشيات التي صحّ وصف البيان السعودي لها "موالية لإيران". ولمّا توازى هذا الاعتداء مع استفزازٍ حوثيٍّ معلنٍ للمملكة، يجهَر بسفوره بوقاحةٍ ليست أقلّ من التي رمى بها الصدر تلك المليشيات العراقية، فإنه لا شطط في الزعم هنا إن طهران تستكشف تمرين نفسها على حربٍ محدودة ضد السعودية، عبر وكلاء (ثم مباشرة إن لزم الأمر؟)، فهذه جماعة "أنصار الله" اليمنية (ذراع إيراني معلن) لا تعمل، ضد أحدٍ في المنطقة، على ما تقول، وإنما ضد السعودية فقط، فتنشط لفرض حصار بحري يستهدف حركة السفن المرتبطة بموانئ المملكة، عشيّة ما طيّرته وكالة رويترز أن الجماعة هذه، وهي تغتصب الحكم والسلطة في صنعاء، تدرس آليةً لفرض رسوم على معظم السفن المارّة عبر مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويشكّل ممرّاً حيوياً للتجارة العالمية وشحنات الطاقة.

ينطق هذا، مع سلوك تلك المليشيات العراقية، بما هو أكثر من واضح، أن النزوع الانتحاري لدى الحرس الثوري الذي يُمسك بالقرار في طهران يبلغ هنا مدىً فادحاً، سيّما أن لعبة المحادثات المتتابعة مع مسقط من أجل التوافق على آلية العبور من مضيق هرمز صارت منكشفة، ولا ترمي منها طهران إلى غير إشاعة "جدّيةٍ" مزعومةٍ لديها من أجل الوصول إلى حل للاستعصاء الحادث في المضيق الحيوي، فالجليّ (وإنْ تتشوّش الرؤية بفعل تعقيدٍ عويصٍ في المشهد) أن القرار المتّخذ، والمحسوم، في طهران، هو الذهاب إلى أقصى مدىً من التصعيد مع الولايات المتحدة ودول الخليج، أياً كانت الأكلاف الاقتصادية والعسكرية والسياسية. وهذا عبّاس عراقجي وزيرٌ للخارجية، في وسعه أن يهاتف نظراءه السعودي والقطري والمصري ومن شاء في أي وقت، فلا مانع لدى أهل الحرس الثوري من أن يزاول الرجل شغله هذا، بالتوازي مع شغلهم المعلوم، المسنود بالكلام إيّاه إن ضرب موانئ ومطارات ومواقع مدنية وعسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، وتعطيل منشآت الغاز الطبيعي المُسال، ومصافي تكرير النفط، ومحطّات تخزين الوقود، إنما هي ردودٌ مشروعةٌ ضد عدوانٍ أميركي ظاهر. وثمّة في الجمهور العربي من يستطيب هذا، ما دام الغرض منه ليس استهداف أحدٍ من أهل المنطقة، وإنما الردّ على صلف إدارة ترامب وعدوانية إسرائيل، وليس ثمّة ما يطرب عرباً كثيرين أكثر من هذا.

القرار الإيراني الأسطع ظهوراً أن الفشل العسكري في المواجهة مع القوة الأميركية الباغية، والاختلال فادح، لا يعني هزيمةً سياسيةً يلزم التسليم بها، فمنطقة الخليج (المسمّى فارسياً في العُرف الإيراني) ساحة، وليست دولاً لكل منها سيادتها. وفيما لإيران كل الحق في أن تتحالف مع الصين وروسيا ومن تشاء، وتقيم العلاقات من أي نوع مع أي دولةٍ يمكن أن تكون ظهيراً لها، فإن دول الخليج لا حقّ لها في شيءٍ من هذا، وهي التي تتوطّن في الإدراك الإيراني أن حكامها تابعون للولايات المتحدة، وأنها غير قادرة على حماية نفسها. وما دام أن حالها هو هذا، فليس من اعتبارٍ لها، ولأرزاق شعوبها، إذا ما قرّر أهل القرار في طهران أي صيغةٍ للردّ على الاعتداءات (نعم هي اعتداءات) الأميركية على منشآت ومواقع إيرانية، مدنية وعسكرية ونووية. وإذا تُجدي ضرباتٌ هنا وأخرى هناك (وفي الأردن) فبها ونِِعمت، وإذا احتيج أن يُستخدم يمنيون حوثيون وعراقيون مليشياويون في ضرب السعودية فلا بأس، ثمّ لمّا تطرأ وتستجدّ أي تداعيات لكل حادثٍ حديث.

القضية، إذن، ليست في وقاحة تشكيلاتٍ عسكريةٍ طائفيةٍ في العراق، على ما نعتها مقتدى الصدر مُحقاً، ولا في وقاحة تشكيل عسكري مذهبي سرق السلطة في اليمن، وإنما في انتحاريةٍ إيرانيةٍ في مقابل نقصان الرشد في رجلٍ يقيم في البيت الأبيض اسمه دونالد ترامب.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.