أبعاد زيارة الشرع واشنطن
الشرع وترامب في البيت الأبيض في واشنطن (10/11/2025 الأناضول)
قطع الرئيس السوري أحمد الشرع مسافات دبلوماسية طويلة خلال زمن قياسي. استقبلته قوىً دولية وإقليمية ذات وزن عسكري ودبلوماسي وأمني واقتصادي، وأقامت معه علاقات ندّية، وهو قادم من بلد مدمّر، لا يستطيع أن يقدّم أو يؤخّر على أيّ صعيد، لا يمكن له أن يحمي حتى حدود بلاده ويطعم شعبه. لو لم يقنع الشرع، على المستوى الشخصي، كلاً من السعودية وقطر وتركيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، لما حقّق أيَّ إنجاز. ولم يحصل الشرع على هديةٍ من أحد حتى الآن، لا من داخل سورية، ولا من خارجها. كل ما ناله ثمرة عمله الشاقّ، طيلة الأعوام الماضية، في ساحات القتال، ما أهّله ليقود عملية إسقاط حكم آل الأسد لسورية بعد 54 عاماً من حكم قائم على الحديد والنار والسجون والمقابر الجماعية، وتوليد قدر كبير من النزاعات بين أبناء البلد الواحد، كي يتسنّى للعائلة الحكم بلا منازع، ومن دون تهديد أو بديل.
يتصرّف الشرع بثقة، وقدّم نفسه منذ دخوله دمشق في 8 ديسمبر/ كانون الأول الماضي صاحبَ مشروع بنّاء، وذلك من بين الأسباب التي جعلت زعماء الدول ينفتحون عليه، ويرون فيه شخصاً يمكن التعامل معه في ظلّ وضع معقّد وصعب، وفي بلد مليء بالألغام، ويشكّل نقطة جذب وصراع إقليمي ودولي. وهذه معادلة ذات وجهَيْن، يبدو في وجهها غير الظاهر للعيان حجم المهمة الملقاة على الرئيس السوري.
هناك أسباب كثيرة للاهتمام الإقليمي والدولي بسورية، منها أهمية موقعها ضمن منطقة مركزية في التوازن العالمي. وهذا أمر أدركه الشرع منذ قرّر الوصول إلى دمشق لإسقاط نظام الأسد، ولمس مدى أهميته في لقاءاته المسؤولين الأجانب والعرب الذين زارهم، بدءاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وحتى الروسي فلاديمير بوتين الذي تباحث معه أربع ساعات، في تفاصيل كثيرة، ما كان يحيط بها لو أن مواهبه تقتصر على أنه قائدُ مليشيا عسكرية مدرجة على لوائح الإرهاب.
يبدو من خلال بعض الزيارات والاستقبالات أن المسؤولين الأجانب والعرب الذين قصدوا سورية أو استقبلوا مسؤوليها، أن هناك نيّة صادقة في إرساء علاقات مع الشرع وفريقه، وتقديم الدعم السياسي لسورية، وكل ما يذلّل العقبات الاقتصادية من أجل وضعها في طريق التعافي. وهذه مواقف ليست من قبيل التعاطف الذي لا مكان له في العلاقات الدولية. والتفسير الوحيد لها يكمن في نقطتَيْن: الأولى أن هناك إرادة دولية من أجل استقرار سورية ومنطقة الشرق الأوسط ونهوضها. والثانية الرهان على قدرة الشرع للتعامل مع هذه الفرصة بجدّية، وتحويلها مشروعَ عملٍ للخارج والداخل. وبالتالي، هو شريك في مسارٍ متعدّد الوجوه، ومن أجل تتويج ذلك دُعيَ إلى البيت الأبيض، بعد أن تطوّر الموقف الأميركي تجاهه وفق مبدأ الانفتاح المشروط، مقابل التزامات محدّدة، خارجية وداخلية.
لدى الشرع أوراق قوية عديدة في الداخل، يمكنها أن تقوِّي موقفه وتشكّل عوامل مساعدة في نجاحه، ومنها تحلّي الشعب السوري بالعزيمة من أجل رفع الركام الهائل الذي خلّفه الدمار الأسدي. ولكن هذا يتطلّب من الرئيس السوري أن يمدّ يده بصدق لهذا الشعب المُتعَب، وألا يستهين بهذه المسألة التي تشكّل بدايةَ طريقه لفتح صفحة جديدة في تاريخ سورية. وفي الضفة الأخرى، هناك فريق من السوريين حاول تبخيس زيارة الشرع واشنطن. هؤلاء أنفسهم ضدّه، حتى لو أوصل سورية إلى المرّيخ. لن يثمّنوا بأيّ مقياس أنه دخل البيت الأبيض قبل أقلِّ من عام من دخوله دمشق. بعضهم يكاد يقتله الحنين إلى الزمن الذي كان يتم فيه شحن الأسد إلى موسكو.