آلاء النجّار... فلسطينية من "شعب الجبّارين"

27 مايو 2025   |  آخر تحديث: 12:42 (توقيت القدس)
+ الخط -

استمع إلى المقال:

في سنوات مراهقتي، كنت مفتوناً بشخصية الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (1929- 2004)، فالرجل كان مفوّهاً، يمتلك كاريزما افتقرَ إليها كثيرون من حكّام العرب آنذاك، وما يزالون. ربما كنت معجباً أيضاً بإصراره على ارتداء الزي العسكري مع الكوفية الفلسطينية غطاءَ رأسٍ تقليدياً. كان هذا قبل نحو ثلاثة عقود، لكنّني لا أزال أتذكّر تكراره وصف الفلسطينيين في خُطَبه بـ"شعب الجبّارين"، وكان عادة ما يتبعها بمقولة "يا جبل ما يهزّك ريح". وبصفتي أزهريّ النشأة والتعليم، كنت أفهم مصدر صفة "الجبّارين"، المأخوذة من القرآن الكريم (سورة المائدة: 22): "وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ". اقتبسها "أبو عمّار"، واعتمدها في خطبه لأنها معبّرة للغاية عن موقفه مقاوماً فلسطينياً يدرك أن شعبه سينتصر حتماً على "بني إسرائيل"، ويبشّر مواطنيه بتحقق ذلك يوماً ما.

فقْدُ أمّ تسعة أطفال في لحظات ليس خبراً عاديّاً، وإنما خبر يستحقّ التوقّف عنده طويلاً

مع مرور السنوات، ومع التعمّق في المسألة الفلسطينية، تغيّرت تقييماتي لبعض مواقف "أبو عمّار". رغم ذلك، لا يمكن بحال مقارنة مواقفه النضالية بما يفعله رأس السلطة الفلسطينية الحالي، الرئيس محمود عبّاس. ذكّرتني بـ"شعب الجبّارين" قصةُ الطبيبة الفلسطينية آلاء النجّار، الأم الثكلى، التي فقدت تسعةً من أطفالها في قصف إسرائيلي دمّر منزلهم في خانيونس. ولأنني أب لشابَّين، لا يمكنني تخيّل كيف يمكن لإنسان طبيعي أن يتحمّل فقد هذا العدد من أبنائه دفعة واحدة. هذا حملٌ تنوء به الجبال، فما بالك بامرأة في منتصف العقد الثالث من عمرها. تذكّرت عندها مقولة "أبو عمار"، وزاد يقيني بأن نساء فلسطين لسْنَ مثل بقيّة نساء العالم، إذ ينتمين إلى "شعب الجبّارين"، وفي مقدّمتهنّ نساء قطاع غزّة.
درست آلاء النجّار الطبّ، وتخرجت طبيبةَ أطفال، وكانت حين وقعت الفاجعة في عملها في مجمع ناصر الطبي، تزاول مهنتها المقدّسة، التي تتطلّب في غزّة قدراً كبيراً من الشجاعة. وهي، في الوقت نفسه، زوجة طبيب، وتدير معه عيادة طبية خاصّة خارج أوقات دوامها الرسمي. رغم تلك المهام كلّها، التي يعتبرها كثيرون معوّقات، أنجبت السيّدة الفلسطينية عشرة أطفال، خلال 12 سنة فقط. وللعلم، كانوا 11 طفلاً، لكنّها فقدت أحدهم قبل أن يتجاوز عمره الشهرَين، قبل أربعة أشهر.
يحاجج كثيرون بأن كثرةَ الإنجاب ثقافةٌ رائجة في المجتمع الفلسطيني، ويربطها بعضُهم بأبعاد ديموغرافية، ولا يمكن إنكار ذلك، لكن يظلّ إنجاب هذا العدد الكبير من الأطفال في سنواتٍ قليلةٍ أمراً صعباً. تقريباً، أنجبت النجّار طفلاً كلّ سنة. هل هذه برأيكم مواصفات امرأة عادية؟... بالطبع لا. إنها امرأة فلسطينية، واستثنائية، ومن غزّة، ومن "الجبّارين".
يحاول بعضهم تشبيه مأساة آلاء النجّار بما عاشته الصحابية والشاعرة تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية، الملقّبة بـ"الخنساء"، وهي شخصية يَضرب بها العرب المثل في الصبر على الفقد. لكن هذا التشبيه لا يستقيم في رأيي، فالخنساء فقدت أولادها الأربعة، وآلاء فقدت تسعة، وأولاد الخنساء كانوا شبّاناً، بينما أبناء آلاء كانوا أطفالاً، أكبرهم يحيى لم يتجاوز عمره 12 سنة، وأصغرهم الطفلة سيدرا، التي لم يتجاوز عمرها ستّة أشهر. وأبناء الخنساء استشهدوا في حروب القادسية ضدّ الفرس، بينما أطفال آلاء استشهدوا تحت ركام قصف إسرائيلي غادر. أيتهما إذاً تستحقّ أن تكون مضرباً للمثل؟ الخنساء أم آلاء؟ تربح آلاء الرهان.

الطبيبة آلاء النجّار امرأة فلسطينية، واستثنائية، ومن غزّة، ومن "شعب الجبّارين"

خلال ساعات، تحوّلت قصة فقد آلاء النجّار أطفالها إلى أيقونة إعلامية، وتداولتها مختلف وسائل الإعلام الكُبرى، ففقْدُ أمّ تسعة أطفال في لحظات ليس خبراً عاديّاً، وإنما خبر يستحقّ التوقّف عنده طويلاً، حتى لو كان الشأن الفلسطيني ليس من بين ما تركّز فيه وسائل الإعلام العالمية، والمنحازة في غالبيتها إلى إسرائيل، وعادة ما تعتمد الرواية الصهيونية، رغم ثبوت أنها كاذبة ومضلّلة مئات المرّات، لكنّه الهوى الغربي الصهيوني.
الأكثر أهميةً أن تكون دماء أطفال النجار الشهداء، ولوعة قلبها المحترق، سببَين في إشعال الغضب العالمي المتزايد ضدّ الجنون الصهيوني، وأن تسهم في تزايد المطالبات بوقف المذبحة الجارية في غزّة، وألّا يتجاهل الرأي العام العالمي القصّة الدامية سريعاً، بعد أن أثبت على مدار نحو 600 يوم أنه لا يهتم كثيراً بمصير أطفال غزّة.

سلامة عبد الحميد
سلامة عبد الحميد
صحافي مصري، من أسرة "العربي الجديد". يقول عن نفسه: أكره السياسة والمنافقين، وضدّ كل المستبدين. أحب السينما والموسيقى والسفر..