"14 تموز" جريمة بلباس ثورة

"14 تموز" جريمة بلباس ثورة

16 يوليو 2021
الصورة

نائب رئيس الوزراء العقيد عبد السلام عارف يخطب في حشد من العراقيين بالنجف (9/8/1985/Getty)

+ الخط -

لم يكن يوم الرابع عشر من يوليو/ تموز 1958 عادياً ، ليس في حياة العراقيين وحسب، وإنما في تاريخهم أيضاً، فقد أسقطت مجموعة من الضباط، أطلقوا على أنفسهم اسم "الضباط الأحرار" نظام الحكم الملكي في العراق الذي أسّس الدولة العراقية الحديثة عام 1921.

أسّس انقلاب تموز 1958 العسكري، والذي يسمّى جزافاً "الثورة"، لعقود من فقدان الاستقرار السياسي، وتراجع فرص بناء دولة وفق رؤية تعتمد التنمية المستدامة والاقتصاد الحر. كان يمكن أن تكون الأبرز في الإقليم، بل وحتى اقتصادات الدول الكبرى في العالم؛ فهذا البلد الذي كان يحكمه نظام ملكي دستوري على غرار المملكة المتحدة لا يمتلك الملك فيه سلطة فوق سلطة البرلمان أو الحكومة العراقية، البلد الذي لم يتسنم أية وظيفة فيه، من رئيس الوزراء وحتى أدنى الدرجات الوظيفية، من لم يستحقها كمؤهل دراسي أو معرفي أو سواها، فتحققت به نماذج رائعة من الإدارة والتخطيط والعلاقات الخارجية والإصلاح الزراعي والنمو السكاني والمناهج التربوية والقاعدة الصناعية، ناهيك عن بناء جيش وطني ذي مستوى عالٍ من الكفاءة والتسليح.

يعرف المتابع للشأن العراقي، إلى حد كبير، حجم التذبذب الذي اتسمت به سياسات العراق منذ انقلاب عام 1958، لكن ما يجب أن يعرفه كل إنسان، عراقيا كان أم من بقية أقطار الوطن العربي، أن هذا الانقلاب ارتكب جريمة كبرى لن يغادرها التاريخ مطلقاً، وأوْلى بالعراقيين أولاً أن يُحيوا هذه الذكرى بالبكاء والنحيب، تماماً كما يفعل بعضهم في ذكرى مقتل بعض آل البيت على التراب العراقي بطريقة مقتل أشراف العائلة الهاشمية، لأن عملية الإجهاز الملطخ بالدم على العقل والمنطق والعدالة حوّلت العراق من بلدٍ ينمو نمواً مطرداً، ويؤسّس لقاعدة علمية وتربوية وتعليمية واعدة، إلى بلدٍ يحكمه العسكر، ثم تراجع الأمر، لتحكمه شلة من المارقين، الفاسدين، القتلة، ذوي العاهات والعلل النفسية، ليُجهزوا على بقية من يحمل علماً أو فكراً أو فناً أو موقفاً.

ارتكب الانقلاب جريمة كبرى لن يغادرها التاريخ مطلقاً، وأوْلى بالعراقيين أولاً أن يُحيوا هذه الذكرى بالبكاء والنحيب

جريمة قتل العائلة المالكة في العراق، وكلها من النساء، باستثناء الملك فيصل الثاني وخاله الأمير عبد الإله، تمثل قمة الانحطاط الأخلاقي والنفسي والتربوي. وعلى الرغم من عدم تدخل الملك شخصياً، ولا سيدات قصر الرحِاب، بأية قضية سياسية أو أمنية في العراق، إلا أن شلة من العسكر ارتضت لنفسها أن تقتلهم جميعاً، وهم يسلمون أنفسهم لهم، ولم يكتفوا بذلك، بل مثّلوا ببعض الجثث (الأمير عبدالإله)، وتباهوا بما فعلوا. ومما يبعث على الاشمئزاز حقاً أنه، منذ المجزرة، لم يرتفع صوت واحد من أحد الضباط المسؤولين عنها أو عن الحكم، يعرب عن أسفه لمقتل الملك أو النساء والأطفال، بعد أن استتب لهم أمر حكم البلاد. أن المأساة الحقيقية للعائلة المالكة هي مأساة وطن وشعب، بدأت من قصر الرحاب ولم تنته.

تعطينا مقارنة بسيطة بين ما جرى في العراق وما جرى قبلها بست سنوات في مصر حجم الفرق الكبير في نضج الثورة المصرية وحسابها كل مجريات الأمور بعد الشروع بساعة الصفر، حيث تعامل الضباط الأحرار في مصر مع الملك فاروق وعائلته بكل رقي وإنسانية؛ فطالبوه بالتنازل عن عرش مصر إلى ولي عهده ابنه الرضيع أحمد فؤاد، ثم تم ترحيله مع أسرته إلى إيطاليا بوداع رسمي، شارك فيه بعض ضباط الثورة، أطلقت فيه 21 طلقة مدفع، واستقل اليخت الملكي (المحروسة) بكل تقدير، فيما تمت تصفية كل العائلة المالكة في العراق تقريباً، وتم العبث والتمثيل ببعض جثثهم بطريقة وحشية مريضة، خلال ساعتين من الانقلاب.

جريمة قتل العائلة المالكة في العراق، وكلها من النساء، باستثناء الملك فيصل الثاني وخاله الأمير عبد الإله، تمثل قمة الانحطاط الأخلاقي والنفسي والتربوي

من حق الشعوب أن تثور ضد الظلم والجور والاستبداد والدكتاتورية. ولكن ليس من حق حفنة من العسكر مصادرة تضحيات تلك الشعوب ومآسيها ومعاناتها، لتنفرد بحكم البلاد وتقتل من تشاء باسم الثورة من دون وجه حق، أو من دون تأمين محاكمات عادلة لمن تثبت عليه الجرائم. وعلى ذلك، على العراقيين ألا يجعلوا من الرابع عشر من يوليو/ تموز 1958 يوماً يمثل رمزية التحرّر من الاستعمار، لأنه، أولاً، كان على حساب سفك دماءٍ زكية وزهق أرواح طاهرة بشكل عام، كما أنه أدخلنا، وبسبب سوء الإدارة والجهل بأصول الحكم الرشيد والدكتاتورية، في أنفاق عديدة لشتى أنواع الاستعمار، بدل الاستعمار الأوحد (بريطانيا)، حتى بدأ كثيرون منهم يتمنّون عودة الحكم الملكي إلى العراق، وذاك هيهات.

يبدو أنه قد صدق من قال، وهو أحد ضحايا انقلاب 1958، بعد أن سمع بمقتل الملك فيصل الثاني، "كنت أتمنّى لو يقتل ولدي الوحيد ولا يقتل فيصل، وأخشى أن يفتح مقتل فيصل حسابًا في هذا البلد يمتد قرونًا".