"يأتون من بعيد"

"يأتون من بعيد"

15 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

لا نعرف، نحن المشاهدين، من هو كارلوس الذي تتوجّه إليه الكاتبة والمخرجة باللغة الإسبانية، في بداية فيلمها الوثائقي الذي يحمل عنوان "تأتون من بعيد". ما نعرفه فقط ونحن نتأمل الصورة الثابتة التي تنقل مشاهد من قصف بغداد بالنيران الأميركية، عام 2003، أنّ كارلوس ذهب إلى هناك ليساند العراقيين، كما سبق أن فعل مناضلون أمميون عرب قدموا من الجزائر والعراق وفلسطين ولبنان ومصر والمغرب إلى إسبانيا بالمئات، لمساعدة الجمهوريين في أثناء الحرب الأهلية الإسبانية.
من هنا، تبدأ قصة الفيلم الذي ألفته وأخرجته المصرية أمل رمسيس، أو لنقل هنا تكمن ذريعته: البحث والتقصّي عن أولئك المناضلين العرب الذين وقفوا إلى جانب الإسبان ضد فرانكو، ثم نسيهم التاريخ ومحتهم الذاكرة، في حين يركّز التاريخ على آلاف الجنود المغاربة الذين استقدمهم الانقلابُ الفاشيّ من المستعمرات، وكان يرسلهم إلى الموت، بوضعهم في الخطوط الأمامية ضد الثوّار. من ضمن الأوائل، اسم معروف: إنه الصحافي الفلسطيني والكاتب والمترجم، نجاتي صدقي، الذي ستتجمّع خيوطُ سيرته شيئاً فشيئاً، على لسان ابنتيه اللتين سنتعرّف إليهما منذ البداية: الابنة الكبرى دَوْلت التي تعيش في موسكو، والابنة الثانية هند المستقرّة في أثينا، حيث التحق بها والدُها وتوفي هناك (1979).
والحال أنّ دولت ستستولي على قلوبنا، حين نروح نكتشف قصة حياتها، وما معنى أن تكون ابنة لمناضليْن أمميّين، نجاتي ولوتكا الأوكرانية اليهودية، وقد انتسبا إلى الحزب الشيوعي في القدس، وناضلا ضد الاحتلال الإنكليزي الذي سجن الوالد، ومن ثم الوالدة والطفلة بسبب نشاط هذا الأخير. يقرّر الكومنترن إرسال دولت إلى موسكو، حيث ستُدخَل ميتماً للأولاد الآتين من الشرق (أندونيسيا، الصين، الهند... إلخ)، فيصير اسمها دوليا سعدي، نسبة لاسم أبيها الحركي (سعدي). هناك، تعلمت دوليا اللغة الروسية، وأمضت مدةً لا تعرف عن أهلها شيئاً، برغم محاولات والديها التواصل معها عبر الصليب الأحمر وسواه من المؤسسات.
إثر إطلاق سراح نجاتي ولوتكا، بعد عامين من السجن، أُرسلا مع جوازاتٍ مزوّرة في مهمّة طويلة نقلتهما من القدس، إلى صور (جنوب لبنان) وإلى بيروت، ثم إلى إسطنبول، فبلغراد، وفيينا، وبرلين النازية، وصولاً إلى باريس، حيث عمل نجاتي على إصدار نشرة سرّية باللغة العربية، تدعو إلى الثورة ضد الاحتلال، وقد استمرّت ثلاث سنوات، كان خلالها متخفّياً فلم يتمكنوا من العثور عليه.
1936 كان عاماً حاسماً بالنسبة للجميع، مفعماً بالأمل، ففي فرنسا انتصرت الجبهة الشعبية، ثم في إسبانيا، ما جعل الناس يصدقون أنّ بالإمكان تحقيق الأحلام، والانتقال إلى مجتمعاتٍ أكثر حرية وعدالة ومساواة. دوليا أيضاً كان لها نصيبها من الأمل، إذ جاء والدها وزارها في موسكو، ثم جاءت والدتها وأخرجتها من الميتم، لتعيشا معاً زهاء ثلاث سنوات في فندق، فيما كان نجاتي قد وصل إلى برشلونة، بعد رحلةٍ طويلةٍ لينضمّ إلى مئات الشبان الأمميين الذي قدموا من مختلف أنحاء العالم لمدّ يد المساعدة. تروي دوليا بطريقتها أنّ أباها اتجّه إلى ساحة المعركة، وراح يخاطب الجنود المغاربة بالعربية هاتفاً: لا ينبغي أن تقاتلوا ضد الجمهورية! وهو ما اعتبره الشيوعيون والجمهوريون تجاوزاً أدّى إلى ترحيله من إسبانيا إلى فرنسا، كما طرده لاحقاً الحزب الشيوعي نهائياً، لانتقاده الاتفاقية التي وقّعها ستالين مع هتلر.
هذا كلّه ودوليا التي تهوى الفنون والرسم ستعاود اللقاء بعائلتها في بيروت، فتجتمع مع نجاتي ولوتكا وهند وسعيد. لكنّها تشعر بالغربة هناك، فتقرّر العودة إلى موسكو، بينما تضطر عائلتها لترك بيروت في مطلع الحرب الأهلية والالتحاق بهند المنتقلة، بسبب عملها، إلى أثينا.
في نهاية الفيلم المؤثر الجميل، منضبط الإيقاع، المتنقّل بين الأمكنة واللغات والحقب، يلتقي الإخوة الثلاثة في موسكو، دولت وهند وسعيد، ثم نسمع دولت تقول لحفيدتها إنّ مبدأها هو: "الإنسان يحمل دوماً هوية الأرض حيث وُلد، وعليه أن يُدفن فيها. لا بدّ أن أنهي حياتي في القدس... على أيّ حال، فإنّ روحي سوف تستريح في القدس"!