"نثر" العُمانية وإشعاع عكسي

"نثر" العُمانية وإشعاع عكسي

06 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

اعتاد الكتّاب العُمانيون أن ينشروا خارج بلدهم، وخصوصاً في لبنان، ليس فقط بسبب الرّقابة المجهرية، بل أيضاً لأسبابٍ جماليةٍ، تتعلق بنوعية الورق وشكل الغلاف والتصميم. فبسبب انعدام دُور نشر مختصّة في عُمان، حيث ثمّة قانون تجاري يفرض إيداع مبالغ باهظة كضمان بنكي، يتعذر لكثيرين القيام به، فكانت بذلك المطابع التجارية هي التي تتولّى طباعة الكتب، وهي تطبع "أي شيء" يفد إليها و"بأي شكل"، ما دامت تحقّق منه ربحاً مضموناً.
أمر آخر كان يدفع الكتّاب العُمانيين إلى البحث عن ناشر خارج حدود السلطنة، هو التوزيع (أو الأمل فيه)، على الرغم من أن هذا الأمر لم يعد يرضي الكاتب، بعدما اكتُشف "تلاعب" بعض دور النشر في موضوع مشاركة الكتاب العُماني في المعارض العربية، إذ لا تجدها في الغالب في معارض خارج عُمان، إلا في التي اعتاد عمانيون زيارتها، مثل معرض الشارقة للكتاب...
أخيراً، استُحدثت في مسقط دار نشر جديدة خاصة، "دار نثر". ما يميّزها أنها لم تكتفِ بإصدار الكتاب العُماني، بل صار لها إشعاعها الخارجي، بعدما نشرت أعمالاً من خارج عُمان، مثل كتاب "الأبدية في بكين" وهو كتاب رحلات للمغربي محمود عبد الغني، وشكّل نشره بداية لاستقطاب أقلام نوعية للنشر في دار نشر عُمانية، بعدما كان العكس ما يحدث. وأحدثت "نثر" طفرة فنية في أغلفة الكتب التي تعمل على إصدارها. بين جمالية الشكل وجدّة المواضيع، يمكن لهذه الدار أن تجد مكانها في دور النشر العربية. وبذلك استطاعت أن تشكّل جاذبية، حيث استطاعت، في السنة الأولى لتأسيسها، أن تتكفل بنشر كتب أعضاء "الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء"، وهي كتب في شتّى الأجناس الأدبية، تتوزّع بين الأدب والسير والتأريخ، إلى جانب البحوث النقدية، التي عادة ما تكون أطروحاتٍ للدراسات العليا في مجالات أدبية وإنسانية، يتقدّم بها أعضاء الجمعية كل عام. ويُعهد بهذه الأعمال إلى لجنة تقييم فني، قبل نشرها. وقد أصدرت "نثر"، وهي دار النشر الوحيدة في عُمان بهذه المواصفات الفنية والموضوعية، ما يناهز 42 عنواناً، و"تفاجئنا"، من وقت إلى آخر، بكتِاب عُماني أو عربي لافت، في التأليف أو الترجمة. وحتى لا نغمط داراً أخرى حقها، لا بد من الحديث أيضاً عن "دار الغشام" التي كان لها قصب السبق في الخروج من ربقة المطابع المحلية. فقد أصدرت عشرات العناوين، ولها مشاركات وحضور في معارضَ عربية، لكن عدم انتقائيتها ربما أصابها بالتضخّم، مع أسباب مالية، ما انتهى بها إلى إغلاق أبوابها.
على الرغم من ضعف إشعاع دور النشر العُمانية مقارنةً بغيرها في البلدان العربية، من المهم التوقف عند تجربتين رائدتين: الأولى في زنجبار، حيث أنشأ السلطان برغش البوسعيدي مطبعة عربية عُرفت بـ"المطبعة السلطانية"، من ثمارها كتب فقهية ولغوية، سواء من عُمان أو من خارجها. أما الثانية فمُعاصِرة، وتتعلق بـ"منشورات نجمة" في الرباط في التسعينيات، التي تمكّنت، في فترة وجيزة من حياتها، من إصدار كتبٍ نوعيةٍ وقيّمة. وقد كان كاتب هذه السطور شاهداً على طباعة بعضها، منها رواية غالب هلسا "ثلاثة وجوه لبغداد" و"الدنو من المعتصم" لبورخيس، الذي ترجمه إلى العربية إبراهيم الخطيب، ورواية ليوسف فاضل، وهو أحد مؤسّسي الدار، بالإضافة إلى الأعمال الشعرية الأولى للعمانيين عبد الله الريامي ومحمد الحارثي وناصر العلوي، الذين كانوا من مؤسّسي الدار التي أسهم في تأسيسها أيضاً الإعلامي العُماني إبراهيم اليحمدي.
وبالعودة إلى "دار نثر"، يمكن الإشارة إلى آخر إصداراتها، وهما مجموعتان قصصيتان "قوانين الفقد" و"الدرّاجة الهوائية" لكل من مازن حبيب وحمود الشكيلي في غلافين متميزين.