"فيسبوك" .. وعي الخوارزميات

"فيسبوك" .. وعي الخوارزميات

09 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

منذ أكثر من عقد تقريباً، لم يكن هناك عالم تسيّره وسائل التواصل الاجتماعي، "فيسبوك" خصوصاً، بل كان هناك عالمٌ أقربُ إلى الإصغاء للمواقع الإلكترونية على الإنترنت، وتبنّي محتوياتها. كان يُمكن لذلك أن يشيع جدالاتٍ ونقاشاتٍ حادّة، يُمكن وضعه في سياق "سيطرة الوعي على الإنترنت" في بعض جوانبه. مع "فيسبوك" تحوّل الأمر إلى تطوير الخوارزميات، إلى درجة اختراقها الوعي وإنتاج "وعي افتراضي" مبنيّ على ما تطرحه تلك الخوارزميات. صحيحٌ أن الخوارزميات، بحدّ ذاتها، انطلقت من "نقطة صفرٍ" بشرية، إلا أنها لاحقا باتت قادرةً على تطويع الأفكار البشرية، وضخّها بما يخدم استراتيجيةً ما. ليست بالضرورة أن تكون الاستراتيجيات سياسية، أي في سياق نظريات المؤامرة، بل يُمكن ببساطةٍ أن تكون تجاريةً واقتصاديةً واجتماعية. يُمكن التفكير بشتّى أنواع الاستراتيجيات، من دون حصرها في قالبٍ محدّد. وهو ما أوضحته المسؤولة السابقة في "فيسبوك"، فرنسيس هوغن، في إفادتها أمام الكونغرس الثلاثاء الماضي. كان واضحاً تركيز المهندسة الأميركية على عمل شبكة التواصل الاجتماعي الأكبر في العالم، من أجل كسب مزيد من الأموال، على حساب الصحة العقلية والمبادئ الإنسانية. ولعلّ احتكار "فيسبوك" موقعي "إنستغرام" و"واتساب"، يعزّز مفهوم الربح السريع على حساب إنسانيةٍ ما. وهو بطبيعة الحال مفهوم رأسمالي بحت.

يُمكن، انطلاقاً من شهادة هوغن، التفكير بموضوعٍ نال حيّزاً من الاهتمام في الشرق الأوسط خصوصاً، تحديداً لدى المجتمعات والدول المعادية للولايات المتحدة التي اعتبرت أنه في وسعها استغلال "فيسبوك" وغيره من المواقع، لممارسة فعل مقاومة بنظرها، أو لتغيير مساراتٍ ما. هنا، يجب العودة إلى نقطتين أساسيتين:

الأولى، أثبت مفهوم "تغيير النظام من داخل النظام" فشله في كل مكان. قد تغيّر دولة ما اتجاه حكمها السياسي يمنة ويسرة، وقد تلغي قوانين عنصرية سابقة لمصلحة قوانين غير تمييزية، وقد تضع حدّاً لنمط اقتصادي مدمّر لمصلحة عدالة اجتماعية متطوّرة. ولكن، طالما أن نظام هذه الدولة مستمرّ، رغم ليونته، فهذا يعني أنه لم يتغيّر في جوهره، بالعكس سيفسح المجال أمام براغماتية مؤقتة، من أجل ديمومته أطول فترة ممكنة. الأمر أشبه بإلإمبراطوريات التي حكمت عقودا وحتى قرونا. بالتالي، فإن فكرة ضرب "فيسبوك" من داخله غير ممكنة، طالما أن واضع النظام قادرٌ على تغييره وفعل ما يشاء، خصوصاً باستخدامه الخوارزميات.

الثانية، ماذا لو كان غضبنا وقهرنا وظلمنا واستعبادنا وكراهيتنا وإنسانيتنا، وغيرها من المشاعر المتناقضة، التي زرعناها في "فيسبوك"، واعتقدنا أننا نحفزها عبر إظهارها للناس، لم تكن سوى مشاعر حُفّزت بخوارزمية ما، لم تكن نهايتها سوى إزعاج سلامنا الداخلي، مهما بلغت قدسية أي قضيةٍ، لمصلحة جيوب أفراد يتحكّمون بـ"فيسبوك"؟

أبعد من ذلك، كان "فيسبوك"، في بداياته، بمثابة دفتر للمواعيد، من أجل التجمّع الميداني والقيام بخطوةٍ ما، لكنه تحوّل لاحقاً إلى مكانٍ لـ"فشّ الخلق" من دون فعل أي شيء. طبعاً، يُمكن الأخذ بعين الاعتبار قضايا عدة، منها طبيعة كل فرد، وكمية النفاق أو الصدق التي يبثها للناس. ثم تحوّل الموقع إلى ملاذٍ "آمن" للبشر في خضمّ تفشي وباء كورونا. وأدّى، في كثيرٍ من جوانبه، إلى تضرّر صحة بشرٍ عديدين، تحديداً نظرتهم إلى أنفسهم، سواء حين يرون أنهم نالوا إعجاباتٍ كثيرة، أو العكس. في كل تلك الحالات، ألم يؤدّ ذلك إلى تحوّلنا أسرى لـ"فيسبوك" وغيره، مهما ساهم، وفقاً لنا، بنجدتنا من قوقعتنا أو أي شيءٍ آخر؟

هنا من حق الإنسان أن يسأل: هل عليّ التخلّي عن "فيسبوك" أو غيره من وسائل التواصل؟ بالطبع، لا يجب عليه فعل ذلك، بل عليه التفكير في كل لحظة يفتح فيها الموقع، أنه أسير لا حرّ. وحين يدرك ذلك، ستتغيّر طريقة تعامله مع "فيسبوك" وغيره، هنا سيصبح خياره ملكه وحده لا ملك خوارزميةٍ ما.