"فتح" واللحظة المفصلية

03 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

يبدو أن الانتخابات الفلسطينية، التشريعية والرئاسية، المقرّرة خلال الأسابيع المقبلة (في حال إجرائها)، ستكون مفصليةً بالنسبة إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، في ظل حال التشرذم التي بدأت تطفو إلى السطح بين مكوناتها، وبروز تيارين أساسيين في الحركة، أحدهما من المنتفعين من السلطة الفلسطينية وتعاظم نفوذ رئيس الحركة محمود عباس (أبو مازن)، وآخرون يرفعون شعار تصحيح البوصلة الفتحاوية تحت شعار "الإنقاذ"، على عكس تيار "الإصلاح" الذي يقوده القيادي المفصول من الحركة محمد دحلان، والذي لا يختلف عملياً عن التيار الأول المنتفع إلا في مناكفته لأبو مازن في الداخل الفلسطيني، إضافة إلى أدواره المشبوهة في ملفاتٍ أخرى. وعلى الرغم من أن هذا التيار الأخير سيكون له دور ما في تحديد وجهة الانتخابات، إلا أنه سيبقى هامشياً أمام الكتلتين الأساسيتين المتصارعتين انتخابياً، إذ إن انتصار أي منهما سيكون حاسماً في تحديد مصير "فتح"، وما إذا كانت ستبقى حزب سلطة، أو ستستعيد بعض نفسها الثوري، وكذلك ما إذا كانت الحركة ستبقى وحدة موحدة وسترضى أطرافها بما ستفرزه صناديق الاقتراع، أم أن التشرذم سيعود ليكون سمة تصرف "المعارضين"، كما حدث في ثمانينيات القرن الماضي على سبيل المثال.

من المبكر الحكم الآن على مسار الأمور، والتي لا يمكن حسم توجهاتها في ظل حال التجييش القائم بين أنصار الحركة، والانقسام العمودي والأفقي الذي بدأ بالظهور مع انفضاض مناطق تنظيمية لـ"فتح" عن الحركة اعتراضاً على لائحتها الانتخابية، وهو ما سينعكس لاحقاً على مواقف هذه المناطق في عملية الاقتراع. والأمر لم يبق في حدود هذه المناطق، بل أضيفت إليه مواقف فردية لكثير من أعضاء حركة "فتح"، سيما في الشبيبة، والذين بدأوا فعلياً العمل على دعم خيار مروان البرغوثي في مواجهة عباس، سواء في الانتخابات التشريعية أو الرئاسية. مثل هذه الانقسامات وهذا التجييش، وفي ظل الحالة الفلسطينية في الضفة الغربية خصوصاً، قد لا تقف عند حدود الاختلاف السياسي، فمع كل اقتراب من اللحظة الانتخابية، ومع توضح صورة توجهات الناخبين، ستزيد حالة التوتر بين الأطراف، ويتحول الاختلاف السياسي إلى مواجهة ميدانية، قد تكون على شكل اشتباك هنا وآخر هناك. وما يزيد من خطورة هذا التحول، هو ترقب تصرفات السلطة الوطنية وأجهزتها الأمنية مع المعارضين لمحمود عباس، خصوصاً أن الأخير أظهر ضيقه بأي صوت لا يعجبه، وهو ما طبقه عند اتخاذ قرار فصل ناصر القدوة من حركة "فتح".

اللافت أن قراءة مثل هذا السيناريو، سواء في ما يتعلق بوحدة "فتح" أو بصراعها مع نفسها، لم يكن صعباً بالنسبة إلى القيادات الفلسطينية، وكان بالإمكان تجنبه، أو على الأقل تجنب جزء كبير منه، وخصوصاً في ما يتعلق بالانتخابات التشريعية، باعتبار أن البرغوثي كان، ولا يزال، مصمّماً على خوض الانتخابات الرئاسية، حتى لو كانت تمت تلبية طلباته الخاصة بالمشاركة في تحديد الأسماء في لائحة "فتح" الانتخابية. لكن "فتح/ السلطة" ارتأت الدخول في هذه المواجهة عبر تجاهل ما طلبه البرغوثي. ويمكن تبرير ذلك بما ورد سابقاً لجهة إصراره على خوض انتخابات الرئاسة، وهو ما اعتبره عباس تحدياً لا يقل عن تحدي الشراكة في تحديد قائمة "فتح"، رغم أن النظر للأمر من زاوية "الحقوق الفلسطينية" كان يفترض تصرفاً مختلفاً. إذ كان من المنطقي أن يدعم عباس ترشح البرغوثي بدل مواجهته، هذا في حال أراد فعلياً الإضاءة على المعاناة الفلسطينية عموماً، والأسرى خصوصا، فكون رئيس فلسطين في سجن الاحتلال هذا بحد ذاته سيكون مؤشراً على انتهاكات إسرائيل في حق الفلسطينيين. إلا أنه يبدو أن لعباس حسابات أخرى، قد تدفعه فعلياً إلى إطاحة الاستحقاق الانتخابي، ليس حرصاً على وحدة "فتح"، بل على البقاء على رأس السلطة، ولو صورياً.