"ضد النسيان" قناة لتثوير القراءة

"ضد النسيان" قناة لتثوير القراءة

14 يونيو 2021
الصورة

(محمد المليحي)

+ الخط -

تلاحق العُمانية هدى حمد، وهي صحافية وساردة، في برنامجها "ضد النسيان" في "يوتيوب" أكثر الكتب ذيوعاً بين القرّاء المتمرّسين. وكان تقريب هذه الكتب للعموم وإشاعتها بمثابة دعوة إلى القراءة من مختلف المستويات والشرائح. في كل حلقة، تنوّع هدى وتعدّد من مادة قراءتها، بهدف أن تضفي على برنامجها الحيوية والجدّة. يتعاون معها زوجها الفوتوغرافي والمسرحي هلال البادي، ليشكّلا بذلك لحمة متماسكة، على الرغم من أن هلال لا يظهر إلا عبر كلمات الشكر التي توجهها هدى إليه، ولكن لمساته الفنية، التي يخلعها على البرنامج، واضحة وجليّة.
نجحت هدى، حتى اللحظة، في بث أكثر من 28 حلقة. كانت البداية مع رواية "صمت البحر" للفرنسي جان بروليه. وكانت للكتب الفكرية مساحة في البرنامج، من قبيل "دوائر الخوف" لنصر حامد أبو زيد، و"علم الأديان" لخزعل الماجدي، بالإضافة إلى كتب علمية من قبيل "أشكال لا نهائية غاية في الجمال" لشون كارول، ترجمة العُمانيين حمد الغيثي وعبد الله المعمري. كما كان لكتب الأطفال نصيب من قبيل "شجرة الأماني" لكاثرين أبلغيت. إلى جانب الشعر المترجم، كالكتاب الصادر عن مطبوعات مجلة نزوى "شهي خسارة كل شيء" للشاعر الأميركي دونالد هول، ترجمه الشاعر العُماني زاهر السالمي. بالإضافة إلى كتب تجول في عالم الأمومة والأسرة، وتتميز بالعمق والسبر، مثل "الكائنات والوحدة" لنورا ناجي، و"كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" لإيمان مرسال.
حلقات متوالية سعت إلى كسر شوكة كورونا، وتحطيم رتابة الحياة التي نعيش. مثل هذه البرامج المستنيرة أراها أساسية، لأنها تدعو القراء كافة، تمدّ يداً بيضاء للدخول إلى عالم الكتاب، وأكوانه الرحبة. كما أنها تصرّف ضد الأنانية، فهي حين تقرأ كتاباً لا تلقيه جانباً، كما يحدث في الغالب، بل تتفاعل معه، وتتواصل مع آفاقه بالصوت والصورة، وتأثيرات فنية ذات وقعٍ وصدى، تجمّل المادة للمشاهد، وتزيّن فقرات البرنامج.
تستهل هدى برنامجها في الفقرة الأولى بالتعريف بالكاتب، ثم تنتقل إلى قراءة الكتاب. وفي سياق الظروف التي يشهدها الصمود الفلسطيني والمقاومة الشرسة التي تعرفها، اختارت رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا"، وهو اختيار يوفّق بين الحس الإنساني والذائقة الجمالية.
المؤاخذة الوحيدة الممكنة على هدى المزاوجة بين الفصحى والدارجة. كنت أرجو أن تنحو بالبرنامج منحىً أدبياً صرفاً، وبلغة الأدب الفصيح المكتوبة به الأعمال، خصوصاً وأنها تُخاطب قرّاء العربية في كل مكان، وقد يكون بعضهم من الناطقين بغيرها. ونحن نعلم أن الفصحى هي اللغة الجامعة ليس فقط بين مختلف بلدان الوطن العربي، إنما حتى بيننا وبين متعلّمي العربية من طلاب العالم. من دون أن نغفل أن قرّاء الأدب لن يحاروا كثيراً مع الفصحى، خصوصاً وأن لغتنا الجميلة تحيطنا منذ الصباح حتى المساء، سواء عبر القراءات والمطالعات، أو عبر النشرات الإخبارية والفقرات الإذاعية والمتلفزة، خصوصاً وأن هدى حمد كاتبة متمرّسة أصدرت، إلى جانب القصة القصيرة، عدة روايات.
ظل القول إن مثل هذه البرامج التي تكسر رتابة الحياة المنجرفة نحو التسليع والتشييء غدت مهمةً جداً، لتوجيه أنظار الحياة نحو الآداب والفنون. وقد أجادت هدى حمد الاختيار، نظراً إلى عمق قراءتها ودأبها على تلمس الإصدارات الجديدة، وخصوصاً العُمانية منها، كما حدث مع روايتي جوخة الحارثي "حرير الغزالة" وبشرى خلفان "دلشاد"، والكتاب الأخير للشاعر محمد الحارثي، الذي صدر بعد رحيله "فلفل أزرق"، وهو عن إقامة طويلة له في سريلانكا. وفيه يمكن أن نشتقّ نوعاً جديداً من أفرع كتب الرحلة، سأسميه الإقامة، في مرادفٍ لليوميات والرحلات، حيث إن ما يتوصل إليه الكاتب في الإقامة مختلفٌ تماماً عما يتوصل إليه في الرحلة القصيرة العابرة، وهو مختلفٌ حتماً عن اليوميات ذات الطابع البيوغرافي الممنهج على تقسيمات الأيام والأوقات انطلاقاً من الذات... هذا وغيره من كتب كان من الأهمية بمكان تعويد الذائقة عليها وإشاعتها، وهو ما سعى إليه برنامج "ضد النسيان".