"صحب الناس قبلنا ذا الزمان"

"صحب الناس قبلنا ذا الزمان"

24 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

اختار الشريف فواز بن شرف بن راجح هذا الشطر "صحب الناس قبلنا ذا الزمان" من بيت شعري للمتنبي عنواناً لكتابه الذي مزج فيه بين التاريخ المعاصر للهاشميين، بإضاءات أكثر على مساهمة والده الشريف شرف بن راجح الكبيرة فيه، وتجربته الشخصية والسياسية، بخاصة في بناء مؤسسات الدولة الأردنية. بدأ الشريف فواز (مواليد 1937) كتابه (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2021) بقضية المتنبي، في إشارة إلى أهمية أن نستلهم الدروس، ونفهم التاريخ جيداً، ونقرأ قوانينه وحوادثه وسننه. وإذا كانت قصة الهاشميين تستولي على جزء كبير من الكتاب، فإنّ الاتجاهات السياسية والفكرية العربية، بخاصة القومية والعروبية، وسلسلة من الأحداث المفصلية التي وقعت في التاريخ المعاصر تأخذ حيزاً مهماً، وتنتظم في سرديةٍ لافتةٍ لمشروع الهاشميين ورؤيتهم، منذ بدايات القرن العشرين والتحولات في الدولة العثمانية والصراع مع الوهابيين، ثم الثورة العربية الكبرى وأحداثها ومعاركها وفلسفتها والمشروع الذي كرّس الشريف الحسين بن علي نفسه لأجله، ذلك كله كان بمثابة العمود الفقري لفصول الكتاب وسرديته التاريخية.
بعد أن يؤطّر فكرة الثورة العربية الكبرى في سياقها الفكري والسياسي والتاريخي، ويصحّح كثيراً من الصورة النمطية عن موقف الشريف الحسين وقراراته والسياقات التي حكمت ذلك، والثمن الباهظ الذي دفعه لأنه رفض التنازل عن حلم "مملكة العرب"، وعن فلسطين، بالوثائق والمعلومات الدقيقة، ينتقل بنا المؤلف إلى العراق التي عاش فيها مرحلة الطفولة الأولى، بعدما غادر والده إلى هناك، وكان إلى جوار الملكين، فيصل الأول وغازي، حتى وقعت أحداث 1941. وحسب والده الذي اختير "وصياً" على العرش في حركة محمد رشيد الكيلاني بديلاً للأمير عبد الإله، خال الأمير فيصل (وابن الأمير علي، شقيق الملكة علياء زوجة غازي)، ثم المحنة التي تعرّضت لها العائلة من سجن والده وتشرّدهم في تركيا وأوروبا.

لا يمر الحديث عن الملك عبدالله الأول مرور الكرام في مذكرات الشريف فواز، فيتحفنا بقصص عديدة عن شخصيته وتعامله مع المواطنين، ومع أفراد العائلة

يقف فواز الابن مطولاً مع السياقات التي قادت إلى حركة رشيد الكيلاني، والأسباب التي دفعت والده إلى قبول الوصاية، ما جرّ عليه غضب الإنكليز والأمير عبد الإله، فتم اعتقاله في إيران، وترحيله، ليقضي سنوات في سجن أبو غريب في العراق، ويُعامل معاملةً سيئة وقاسية، بينما عائلته مشرّدة لا يسمح لهم بالعودة إلى العراق، ولا رؤية والدهم.
انتهت تلك المحنة للعائلة عندما استقبلهم الأمير عبدالله الأول في إمارة شرقي الأردن (ستصبح لاحقاً المملكة الأردنية الهاشمية) في العام 1945، ليلتحق بهم الشريف شرف إلى الأردن، وقد كانوا لفترة ضيوفاً على منزل الأمير شاكر بن زيد وعائلته، فينتقلوا إلى منزل جديد، حيث يجدون الاهتمام والاحترام والتقدير والرعاية من الملك عبدالله الأول، الذي يقع نفسُه ضحية مؤامرة وتحريض، فيستشهد في المسجد الأقصى في 1951.
لا يمر الحديث عن الملك عبدالله الأول مرور الكرام في مذكرات الشريف فواز، فيتحفنا بقصص عديدة عن شخصيته وتعامله مع المواطنين، ومع أفراد العائلة، حتى الصغار منهم، مثله هو وشقيقه عبد الحميد شرف، ينتقل بنا إلى حياته المدرسية من مدرسة المطران إلى الأهلية إلى الكلية العلمية الإسلامية التي كانت تستقبل أبناء الأمراء والأشراف والطبقة الوسطى والتجار. ويضعنا في صورة المناخ السياسي حينها، عندما كانت الأحزاب القومية واليسارية ناشطةً ومؤثرة، وبداية ظهور حزب التحرير الإسلامي، على يد الشيخ تقي الدين النبهاني، الذي كان مدرّساً في الكلية العلمية الإسلامية، وقد أثّر على نسبة كبيرة من الطلاب، كما يذكر الشريف فواز.

يسلّط الشريف فواز الضوء على دوره المهم والتاريخي في تحويل حلم الملك الحسين إلى واقع، من خلال مؤسسة رعاية الشباب، ثم في استكمال بناء المدينة الرياضية

لاحقاً، يغادر الشريفان فواز وشقيقه عبد الحميد إلى الجامعة الأميركية في بيروت، وهناك يتعرّفان على التيارات الفكرية العربية الناشطة والفاعلة، بخاصة القوميين والمتأثرين بأفكار ساطع الحصري وميشيل عفلق والحركات المختلفة التي ولدت من رحم تلك المرحلة والتشوق العربي للاستقلال والتحرّر وتداعيات القضية الفلسطينية، ومرحلة التقلبات الهائلة في كل من العراق وسورية، والمد الناصري، وهي فترة كانت ذات آثار كبيرة على جيل الشباب بأسره.
في تلك الحقبة، يمرّ المؤلف على حادثة تحقيق الأمن الأردني معه ومع شقيقه عبد الحميد شرف، بتهمة الانتماء لحركة القوميين العرب، وهي تهمة ينفيها في الكتاب، لكنها تزامنت مع فصل ابن عمهما، الشريف زيد بن شاكر، من القوات المسلحة، تلك المرحلة التي تناولتها بالتفصيل زوجة بن شاكر في كتابها "من السلاح إلى الانفتاح: سيرة الأمير زيد بن شاكر" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2019). وتحدثت كيف أن الشريف زيد اتهم ظلماً بتعاونه مع الضباط الأحرار، وتم إخراجه من القوات المسلحة، وبقي في المنزل ثلاثة أعوام. وقد رجع الأشراف الثلاثة حينها معاً إلى سلك الدولة والخدمة فيها في 1961، الشريف زيد إلى العمل العسكري (ليصبح بعد ذلك قائداً للقوات المسلحة، ثم رئيساً للديوان الملكي، فرئيساً للوزراء ثلاث مرات)، والشريف فواز الذي أصبح سكرتيراً لمجلس الوزراء في حكومة وصفي التل، ثم في سلك الخارجية، ليعود بعد ذلك ويؤدي دوراً مهماً في بناء مؤسسات الدولة، والشريف عبد الحميد شرف، الذي أصبح أحد أبرز المنظّرين والمثقفين في النظام السياسي، وليتولى رئاسة الوزراء قبل أن يتوفى بصورة مفاجئة بعد فترة قصيرة في 1980.
يسلّط الشريف فواز الضوء على دوره المهم والتاريخي في تحويل حلم الملك الحسين إلى واقع، من خلال مؤسسة رعاية الشباب (تأسّست في 1966)، ثم في استكمال بناء المدينة الرياضية في 1968، والنهوض بالحركة الشبابية والرياضية والثقافية والكشفية في البلاد، وصولاً إلى توليه حقيبة وزارة الثقافة والشباب في 1976، ثم انتقاله إلى العمل الديبلوماسي في الأمم المتحدة وفي أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وصولاً إلى انتهاء مهنته في الدولة في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي.

الكتاب يفضح اتجاه الكاتب الفكري والسياسي الذي تماهى مع الفلسفة الهاشمية العروبية، منذ مبادئ الثورة العربية الكبرى وقيمها، بالاعتزاز بالأبعاد، الديني والتاريخي والثقافي

الكتاب بمثابة رحلة ممتعة وجميلة يتوفر على رواية مختلفة لأحداث كثيرة جسام مرّت بها الأمة العربية والإسلامية خلال القرن العشرين، معزّزا تلك السردية بالوثائق والشواهد والإلمام المتميز بالتيارات الفكرية والسياسية والوثائق والكتب التي تناولت تلك الحقبة. ومعروف أنّ الشريف فواز على درجة عالية من الثقافة والمعرفة، وقد انعكس ذلك من خلال مرحلة توليه مسؤولية النهوض بالشباب الأردني، في اهتمامه بالجانبين، الثقافي والفني، وفي مقالاته في مجلة صوت الشباب، وفي جلساته الخاصة التي يعقدها مع المثقفين في مناقشة الشؤون العامة، وأبرز الكتب والأدبيات.
بقي القول إنّه، وإن لم يقل ذلك مباشرةً، فإنّ كتابه يفضح اتجاهه الفكري والسياسي الذي تماهى مع الفلسفة الهاشمية العروبية، منذ مبادئ الثورة العربية الكبرى وقيمها، بالاعتزاز بالأبعاد، الديني والتاريخي والثقافي، مع الانفتاح الكبير على ثقافة العصر وروحه، وهي أقرب إلى قوميةٍ ديمقراطيةٍ مدنية، كانت بمثابة المدرسة الرئيسية التي شملت الملوك الهاشميين الأوائل، مع تبايناتٍ واضحةٍ في الشخصية والظروف التاريخية، وبدت صريحةً واضحةً مع الحسين بن طلال والشريف زيد بن شاكر والشريفين فواز وعبد الحميد شرف. وهي، في الوقت نفسه، قومية واقعية هادئة. وربما تلك الواقعية والهدوء معاً سببا ظلماً لهذه التجربة التي تحتاج أن تُقرأ بعيداً عن المواقف المسبقة والأحكام المعلبة والشعارات الجارفة التي كانت تضعهم، في أحيان كثيرة، في موقع الاتهام!
من الضروري الإشارة إلى أهمية عدد من الكتب الصادرة خلال الأعوام الأخيرة، من رجال كانوا حول الملك الحسين، ومن البناة الأوائل، ممن قدّموا رواية تاريخية مهمة وتفاصيل وأسراراً، ما ساهم، بعد عقود من غياب هذا الاهتمام بالتأليف والمذكرات من رجال الدولة، في التعريف بالرواية الأردنية وأحداث تاريخية وتفصيلات مهمة، مثل هذا الكتاب، وكتاب الأمير زيد بن شاكر، وكتاب رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران "القرار" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2020)، ويوميات عدنان أبو عودة (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، والتي سيصدر جزء ثانٍ منها قريباً.