"دلشاد" تنعش ذاكرة مسقط

"دلشاد" تنعش ذاكرة مسقط

05 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

في إصدارها الروائي الثاني "دلشاد" (دار تكوين، الكويت، 2021)، وعبر 480 صفحةَ، ترسم الكاتبة العُمانية بشرى خلفان بدايات التحوّل والتشكل الاجتماعي للعاصمة العُمانية مسقط ذات الواجهة البحرية. تضعنا أمام طفولة مدينة تُعرض على لسان رواةٍ تتداول التعبير عن ظروفها وحياتها بصيغة اعترافات ومونولوغات، ينتمي جميعها إلى ما سمّته الكاتبة زمن الجوع، حيث تبدأ الرواية بشخصية "دلشاد"، وتنتهي بحفيدته "فريدة". ينتمي دلشاد الذي تحمل الرواية اسمه إلى الشارع، تتبناه عائلة تعيش في خيمة وتمنحه اسما، لا تلبث الكوليرا أن تفتك بأفرادها، لم يبق منهم سوى الأم حليمة، وابنها عيسى الذي سيصبح أخا لدلشاد. تسرد الرواية فترة قديمة من حياة مسقط، غالبا تنتمي إلى النصف الأول من القرن العشرين، حين كانت أحزمة الفقر تزنّر خاصرة المدينة والجوع والأمراض البدائية تفتك بأهلها بلا هوادة. يحمل دلشاد، إذن، على ظهره عبء تحريك أحداث الرواية التي انطلقت منه، ولا تلبث في كل مرة تعود إليه، سواء عبر رحلاته العبثية التي يتقاذفها القدر بين مسقط والهند، أو من خلال حياة ابنته مريم التي فضّل، اتقاءً للجوع الذي صورته الرواية بكل تجلياته، أن يتخلّى عن تربيتها، ويتبرّع بها لأحد الأثرياء، حيث ستنضم إلى فريق الخدم، فتشقّ الطفلة طريقها تتعلم من الخدم أسرار الطبخ والاعتناء بالمنزل الكبير. ونظرا إلى ما تتّصف به من جمال وروح ضاحكة، سيعجب بها صاحب البيت، عبد اللطيف لوماه، التاجر العبثي الذي انساق لغرائزه، فعرّض عائلته بعد موته إلى بيع البيت تسديدا للديون، فما إن تزوج من خادمته مريم دلشاد، حتى انقلبت حياة مريم لتصعد من قاع المجتمع وهامشه إلى سيدة للبيت الكبير، ولكن يبدو أنه تحوّل خادع ومؤقت، فحين يموت زوجها فجأة، تكتشف أنه استدان مبلغا كبيرا من التجار "البانيان"، لتجد نفسها وابنتها فريسة ضياع وتشرّد وهروب، حيث أرادت أخته فردوس أن تأخذ ابنة أخيها منها، وتضمها إلى أبنائها وتتركها وحيدة، فتعود الأم الهاربة مع ابنتها إلى سيرتها الأولى، حين كانت تعيش في الخيام الهشة المعرضة للأمراض والحرائق والجوع.
قد يكون هناك زمن طويل قضاه بطل الرواية دلشاد في الهند، ليغيب عن أحداث الرواية ما يزيد عن مائة صفحة، منذ تاه عن القطار، ولا ينكشف للقارئ سوى النزر القليل من حياته هناك، ما يؤكّد أن البطل الحقيقي للرواية هو مدينة مسقط، ولكن هذا، ربما، جزء من لعبة الرواية التي تعدنا كاتبتها في الصفحة الأخيرة بجزءٍ ثان، ستنكشف فيه تفاصيل مؤجّلة.
تستنطق "دلشاد" صورا قديمة لمسقط، كنا نراها باللونين الأبيض والأسود صامتة، لا نعرف الكثير عن حياة شخوصها وجماداتها. أنطقتها الرواية عبر لغة شائقة، من خلال الألسنة المتنوعة لشخصياتها. كما تتميز بعبورها على مختلف تفاصيل الحياة العُمانية القديمة، وخصوصا في ما يتعلق بعالم المرأة من مأكولات وملبوسات، إلى جانب تسليط الضوء على التنوع الثقافي واللغوي الذي يتميز به المجتمع العُماني؛ فدلشاد الذي يعني اسمه في لهجة البلوش القلب الفرحان يشكّل بؤرة السرد والمحرّك الرئيس لأحداث الرواية، مع ابنته مريم التي كأنما تتناوب، هي وأبوها، على توجيه مسارات أحداث الرواية التي حاولت كذلك استثمار كل القدرات الممكنة لتوثيق الحياة الغابرة لمسقط، وذلك بسبب التطور الذي شهدته العاصمة، من تنقل ديموغرافي وقفزات عمرانية. وإلى جانب التوثيق الاجتماعي والعمراني، هناك كذلك توثيق لطبيعة تفكير الدولة في ذلك الوقت، وذكر أسماء حقيقية تكشف مدى تدخل الإنكليز، ومحاولات الحاكم في الحدّ من نفوذهم والاستفادة من قوتهم، في الوقت نفسه، من أجل القضاء على كل ما من شأنه أن يهدّد وحدة الوطن واستقرار الحكم.
وفي متابعة مسيرة الكاتبة بشرى خلفان، وانتقالها من القصة التي تركت فيها أكثر من مجموعة، إلى الرواية حيث أصدرت من قبل "الباغ" التي تسرد جانبا من ذاكرة منسية، نجد أن في هذه الرواية أيضا نقلة أخرى في مشوارها الأدبي.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي