"حياة إسكوبار" .. 74 جزءاً

15 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

من المسلسلات التي عرضتها منصة "نتفليكس" المسلسل الناطق بالإسبانية "ناركوس – سيد الشر"، عن تاجر المخدرات الكولومبي سيئ السمعة بابلو إسكوبار. سبق لمخرجه، البرازيلي خوسيه باديلا، أن أحرز جائزة الدب الذهبي لأحسن فيلم في مهرجان برلين السينمائي، عن فيلمه "فرقة النخبة"، وهو عن عملية تمشيط قاسية يجريها رجال الشرطة قبيل زيارة البابا يوحنا بولس الثاني البرازيل عام 1997.
يتميّز مسلسل "ناركوس .." بالتكثيف والعبور السريع على أهم المحطات المفصلية للشخصية. ويتّضح أن المخرج قد استفاد من تقنيات سابقيه في صناعة أفلام الجريمة وصياغتها. يمكن هنا استحضار العناية بالتفاصيل التي عُرف بها المخرج الأميركي، فرنسيس كوبولا، مخرج فيلمي "العرّاب" و"القيامة الآن"، والذي بدأ حياته بفيلم يحمل عنواناً صريحاً "الرعب". وقد عرف هذا العبقرية العالمية في الإخراج السينمائي باهتمامه بأدق التفاصيل، إذ يستخدم أسلوباً فوتوغرافياً يعتمد على فائض الصور، قبل اختيار الأفضل بينها.
بدأ المسلسل بتسليط الضوء على طفولة إسكوبار، وهي خلفية نتعرّف من خلالها على طبيعة الطفل، بابلو، الميال إلى التحدّي وتدبير المقالب لمدرّسيه في المدرسة. والأهم من ذلك حسّه القيادي، حتى في اللعب والشغب، حيث يشكل دائرة اهتمام للأطفال من حوله، بمن فيهم أخوه الأكبر، بلوتشي. وكانت أمه كثيراً ما تحضّه على الغلبة وحماية نفسه بشتى الطرق، حين رأته، في اللقطة الأولى من المسلسل، مغلوباً على أمره، وهو يبكي، حين تركه رفاقه على شفا السقوط من سلم خشبي يشرف على مجرى نهر. تستمر حلقات المسلسل في جو من التشويق والموسيقى التصويرية المتصاعدة، حيث تم اختيار أدقّ الوقائع الحقيقية في حياة إسكوبار، إلى جانب شخصيات قريبة الشبه بالشخصيات الحقيقية. وتم اختيار ثلاث شخصيات لتجسيد حياة إسكوبار، في الطفولة ثم في المراهقة وبعد ذلك حين أصبح مجرماً معروفاً.
الحسّ القيادي لإسكوبار جعله يحظى باحترام تجار المخدّرات السابقين له في كولومبيا، فاقترح عليهم، ذات اجتماع، أن يشكّل "ما يشبه بورصة النفط العربي" كما قال، في إحدى فقرات المسلسل، جونزالو، قريب إسكوبار ورفيقه في رحلة الإجرام منذ البداية. وبسبب هذه البورصة التي تتحكّم بتجارة المخدّرات (معظمها يصدّر إلى الولايات المتحدة)، استطاع إسكوبار أن يكون قائداً لعصابة ميدلين، ويكوّن بذلك ثروات هائلة، قدّرت بخمسين مليار دولار.
لم يكن طموحه يقف عند حد، فقرّر خوض السياسة، طامحاً إلى أن يتمكّن من تغيير قانون كولومبي، ينصّ على تسليم مجرمي المخدّرات إلى الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي كان يقضّ مضجعه ومضاجع شركائه، حتى أطلق عبارته "قبر في كولومبيا ولا سجن في أميركا". وقد جعله هذا الهاجس يترشح لعضوية البرلمان الكولومبي. ونظراً إلى سمعته، بدأت الصحافة في تسليط الضوء عليه وكشف ماضيه، فالتجأ إلى سلاح القتل، فبدأ بقتل وزير العدل ثم المرشحين الرئاسيين وقواد الشرطة فمسؤولي الصحف، ولم يقف حد القتل عند البسطاء والأطفال. ظناً منه أن القتل العشوائي سيدفع الدولة إلى أن تتفاوض معه. وهذا ما حدث، إذ عرضت عليه الحكومة أن يُسجن في كولومبيا، وأن يختار سجنه بنفسه على ألا يتم تسليمه إلى أميركا. اختار إسكوبار إحدى إقاماته ومزارعه، بعد أن باعها للدولة بثلاثة أضعاف قيمتها، لكي تتحوّل إلى سجن له ولعصابته، حيث كان إسكوبار يمتلك حوالى مئتي إقامة ومزرعة، يتحرّك بينها بحرية، هارباً من ملاحقات الشرطة. ولكنه في الأخير ونتيجة تطور الأحداث، يلجأ إلى شقة بسيطة في حي فقير. وقد تتبّعت الشرطة مكالماته مع ابنه، فتم تحديد موقعه، بعد أن هرب من السجن، نتيجة اكتشافه أن الشرطة تنوي قتله مع أصحابه في هجمة مباغتة. ولأنه يعرف أسرار مكان إقامته، فقد تمكّن من الهرب مع أصحابه من الجانب الخلفي. قتل معظم رفاقه، فظل محبوساً في شقته، وقد تضخم جسمه، وسكنه الإحباط، إلى أن تمكّنت الشرطة منه، وهو يحاول الهروب من أحد سطوح ذلك الحي الشعبي الذي يشبه (في ما يشبه سخرية من القدر) الحي الشعبي البسيط الذي خرج منه أول مرة.