"ترحال" .. سيرتان في سيرة

"ترحال" .. سيرتان في سيرة

16 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

في رؤية عميقة لفن السيرة، قال الكاتب الأردني الراحل، عديّ مدانات، حين شروعه في كتابة سيرته التي لم تمهله الحياة فسحة كافية لإتمامها "السيرة شأن شديد الخصوصية، وميدان واسع متشعب، لا يعرف صاحبها ما ينتقي وما يهمل، ويتعين على من يرومها أن يتجنّب الهوى والمزالق، فهي ليست ميدانا للثرثرة وتكديس أحداث بلا مغزى ولا رونق. كتابة السيرة مشروطة بقيمتها الأدبية والإنسانية ومضامينها، وصلتها بالتحولات التاريخية الكبيرة وما تطرحه من أسئلة تتصل بما هو عام، وما تتجنّبه من هوى". ويقول بتواضع الكبار وريبتهم "لا شيء في حياتي يستحق التوثيق، إلا أن مثابرة زوجتي جعلت فكرة كتابة سيرتي أليفة، وصارت تراودني بين حين وآخر، ذلك أن حياتي لم تكن هامشية، فلقد عشتها كفاعل مجد في كافة الأنشطة التي مارستها".
رحل عديّ عنّا مخلّفا مسوّداته وأوراقه منثورة لم تكتمل، ما حرم المكتبة العربية من كتابة سيرة مختلفة نوعية وحميمة وصادقة وعفوية، تشبه روحه الطفلة المتدفّقة النقية المترفعة المعتدّة الزاهدة، كانت ستضاف إلى سير عظماء من وزن بابلو نيرودا في "أشهد أنني قد عشت"، جبرا إبراهيم جبرا في "البئر الأولى"، وإحسان عباس في "غربة الراعي"، وغيرهم. لملمت الزوجة ورفيقة العمر، إفلين الأطرش، أحزانها العميقة، وتحمّلت حسّ الفقد المريع الذي لازمها. وأخذت على عاتقها المهمة الأصعب والتحدّي الأكبر في إتمام سيرة زوجها، الأديب المتفرّد،  صاحب الأعمال الروائية والقصصية البارعة، والمحامي النزية المدافع الشرس عن حقوق العمال، والسياسي النظيف المتمسّك بمواقفه المبدئية في زمن التقلبات، والأب الحنون الذي رعى أطفاله برمش العين، والزوج الوفي الذي طالما عامل زوجته بحبٍّ واحترامٍ وندّية والصديق المحبّ الذي حظي بحبّ الجميع واحترامهم على اختلاف أهوائهم. وقبل ذلك كله الإنسان الأصيل الشفّاف الذي جمع في شخصيته بين الصلابة والرهافة والحساسية العالية والغيرة الشديدة على الأدب والتفاني وإنكار الذات، وهو ينقل تجربته إلى أجيال تأثرت به، وتعلمت منه الكثير، يفرح بمنجزهم ويشدّ من أزرهم، ويدفعهم إلى مزيد من الإنجاز. 
في كتابها "ترحال .. عديّ مدانات حكاية أعيشها" (الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 2021) تصحبنا الكاتبة، في رحلة شائقة، إلى عوالمه متعدّدة المستويات شديدة التنوع. تستحضر ذكريات طفولته وشبابه، تتجوّل بنا بين عمّان والزرقاء وبيت ساحور والكرك ودمشق وروسيا ويوغسلافيا. تتنقل بينها برشاقة وخفّة، ترصد أدقّ التفاصيل، وتستعيد روح الأمكنة البعيدة والأزمان السحيقة، تبعث فيها الحياة، وتجعلك قادرا على إنجاز القراءة في جلسة واحدة، من دون أي سأم. تعرّج في الأثناء على الأحداث السياسية والتحولات الكبرى التي عصفت بالمنطقة، مثل هزيمة 1967 وأحداث أيلول الأسود في الأردن والحرب الأهلية في لبنان وحرب الخليج. تتمعّن في تفاصيل الحياة الحزبية في الأردن، وتقدّم للقارئ جانب عديّ العروبي النضالي، الملتزم الذي يشهد كل من عرفه بمدى جدّيته وتفانيه، وتحكي عن نشاطاته النضالية، منذ كان شابا، ما سبّب سجنه ومطاردته، ومنعه من السفر في أحيان كثيرة. 
كما تتناول إفلين، في كتابها، باهتمام كبير، سيرة عديّ مدانات الإبداعية في القصة والرواية والنقد، وتتحدّث عن ذائقته وإلمامه في الموسيقى والسينما والمسرح. وتأتي على صداقته الطويلة المتميزة بالأديب تيسير سبول الذي قضى منتحرا، ما تسبّب لعديّ بصدمة نفسية كبرى. ولا تنسى الحديث عن صداقاته مع أعلام في الفكر والأدب والسياسة والفن. وفي الشأن الخاص، تحكي قصة تعارفهما، والحب الذي اشتعل في روحيهما، وظلّ متّقدا حتى اللحظة الأخيرة من حياةٍ حفلت بالصعوبات والمسرّات والأحزان. 
ومن الصعوبة بمكان اعتبار "ترحال .." كتاب سيرة غيرية، لأن سيرة كاتبته نفسها لم تغب فيه، فتبلور الكتاب عن سيرتيْن في سيرةٍ متضافرةٍ متناغمةٍ متداخلة يستحيل الفصل بينهما. تفاصيل كثيرة وحميمة، مؤلمة ومفرحة في آن، يضمّها كتاب "ترحال..". تهدي إفلين كتابها الذي جاء على شكل رسالةٍ طويلةٍ موجهة إلى زوجها الراحل الكبير، تقول فيها: "إلى عدي، ستبقى كما أنت رفيق درب السعي، شريك الحلم والقصّ والكلمة، فلا السنوات تكفي ولا الصفحات".
المجد والخلود لروح أستاذنا الكبير عديّ مدانات، والشكر الجزيل للسيدة إفلين لهذا الجهد الجلي في  كتابها "ترحال.." وهو إضافةٌ مهمةٌ إلى فن السيرة تستحق التأمل طويلا.