"الهندي - الهادئ" .. استراتيجيات متعارضة

"الهندي - الهادئ".. استراتيجيات متعارضة في مواجهة الصين

23 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

في الصفقة التي أُعلِنَ عنها، يوم 16 سبتمبر/ أيلول الحالي، تعهّدت كل من بريطانيا والولايات المتحدة بمساعدة أستراليا في تطوير غوّاصات نووية، وانسحبت الأخيرة من صفقة بقيمة 66 مليون دولار لشراء غواصات تقليدية فرنسية الصنع. ثم دفع الغضب الفرنسي الرئيس إيمانويل ماكرون إلى اتخاذ خطوات ديبلوماسية تصعيدية غير مسبوقة. يمضي الرئيس الأميركي، جو بايدن، على نهج سلفه، دونالد ترامب، في عزله شركائه الأوروبيين المهمّين، ويوتّر العلاقات مجدّداً مع الصين التي تجد نفسها مقبلةً على تحدّ أمني جديد، يتمثّل في غوّاصات نووية بإمكانها التجول تحت مياه المحيط أشهراً من دون توقف، مع صعوبة تحديد مكانها (مزوّدة بمفاعلات نووية للدفع، إلا أن أسلحتها تقليدية). تزامن ذلك مع إعلان الاتحاد الأوروبي استراتيجيته الجديدة تجاه منطقة "الهندي - الهادئ" ("الاتحاد الأوروبي للتعاون في منطقة الهندي - الهادئ")، ليبدو أن ردود الفعل الأميركية والأوروبية، المتناقضة، على المواجهة مع الصين ستستمر في إعادة رسم الخرائط الاستراتيجية بخصوص تلك المنطقة الحيوية.

ظهر المصطلح "Indo-Pacific" أول مرة في الاستخدام الأكاديمي في علم المحيطات والجغرافيا السياسية في ألمانيا، وانتشر إلى اليابان ما بين الحربين العالميتين، وزاد استخدامه منذ عام 2010 في الخطاب الجيوسياسي، مبشّراً بتغيير في الخرائط الذهنية السائدة لكيفية فهم العالم من منظور استراتيجي، وحلّ مكان مصطلح "آسيا - الهادئ" الذي شاع، منذ الثمانينيات، في التعاملات التجارية والاقتصادية. اعتمدت إدارة ترامب المفهوم، وأضفت عليه دلالاتٍ تتعلق بمتطلبات دول المنطقة من الازدهار في مواجهة الصين، اعتماداً على الضمانات الأمنية الأميركية. تحظى المنطقة بأهمية استراتيجية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فالثقل الاقتصادي والديموغرافي والسياسي المتزايد فيها يجعلها لاعباً رئيسياً في تشكيل النظام الدولي والتصدّي للتحدّيات العالمية، والاتحاد الأوروبي هو المستثمر الأول، وواحد من الشركاء الإنمائيين والتجاريين الأكبر في تلك المنطقة التي تستحوذ على حوالي من 70% من التجارة العالمية للسلع والخدمات، وهي الوجهة الثانية للصادرات الأوروبية، وتشكّل الاستثمارات الأوروبية فيها ضعف استثمارات الولايات المتحدة. وقد أدّت الديناميات الحالية في المنطقة إلى ظهور منافسة جيوسياسية دولية شديدة، ما زاد من التوترات حول سلاسل التجارة والإمداد، وفي المجالات التكنولوجية والسياسية والأمنية.

تزايدت أهمية الدور الصيني في المنطقة تجارياً وتكنولوجياً وعسكرياً، مع تراجع نسبي للدور الأميركي، ما شكّل تحدّياً جديداً لأوروبا.

تزايدت أهمية الدور الصيني في المنطقة تجارياً وتكنولوجياً وعسكرياً، مع تراجع نسبي للدور الأميركي، ما شكّل تحدّياً جديداً لأوروبا التي بات مستقبلها الاقتصادي، وأهميتها الجيوسياسية، يرتبطان بالتطورات في آسيا. مع ذلك وحتى عام 2018، لم يرد مصطلح "الهندي - الهادئ" في أدبيات الاتحاد الأوروبي ووثائقه، باستثناء فرنسا التي أعلنت في حينه عن استراتيجيتها الوطنية بخصوص تلك المنطقة، قبل أن تنقحها عام 2021، ودفعت باتجاه استراتيجية مماثلة على مستوى الاتحاد الأوروبي، وهي على خلافٍ غيرها من الأعضاء تعتبر نفسها "قوة مقيمة" (Resident Power) في "الهندي - الهادئ"، وبدون هذا الدور كانت باقي دول الاتحاد الأوروبي حذرةً في تبنّي هذا المفهوم، قبل أن تدرك كل من ألمانيا وهولندا أن حفاظهما على مصالحهما هناك، وتحديدها، لا يتوقف على ما إذا كانتا قوتين مقيمتين أم لا، فأعلنت ألمانيا نسختها من "الإرشادات السياسية الخاصة بمنطقة الهندي - الهادئ"، وتبعتها هولندا. وبينما أكّد الفرنسيون في استراتيجيتهم على الحاجة إلى منع ظهور قوة مهيمنة جديدة، وإعادة تأسيس "ساحة لعب متكافئة" في علاقات أوروبا بالصين، فإن الاستراتيجية الألمانية كانت خجولةً في طرح فكرة المواجهة مع بكين، وكرّست مزيداً من الاهتمام للفرص الاقتصادية التي توفّرها المنطقة، بدلاً من المسائل الأمنية الأساسية.

تعاني أوروبا من ضغط علاقات الاستقطاب المتوترة بين الصين والولايات المتحدة منذ عهد ترامب. عدم اليقين بشأن التزام الولايات المتحدة بالأمن الأوروبي واستعدادها لحماية المصالح الأوروبية من العواقب السلبية المحتملة للمنافسة الصينية الأميركية، والقلق الأوروبي من الأنشطة الجيوسياسية لبكين؛ "دبلوماسية القناع" خلال جائحة كوفيد؛ سياساتها تجاه هونغ كونغ وشينجيانغ، ذلك كله بدّد تفاؤل الأوروبيين بشأن مسار مستقبلي للاتحاد الأوروبي والعلاقات مع الصين، وأكسب النقاش داخل الاتحاد الأوروبي زخماً، أدّى، في النهاية، إلى تبنّي استراتيجية عامة للاتحاد الأوروبي بشأن "الهندي - الهادئ". لكن بينما وصفت الاستراتيجية الأميركية للمنطقة الصين صراحةً بأنها خصم استراتيجي، سعت الاستراتيجيات الأوروبية، الوطنية والاتحادية، إلى تجنّب المواقف الصعبة، وأخفت الإشكالات المحتملة للعلاقة مع الصين خلف النظر إليها شريكاً أكثر من كونها منافساً، من منطلق تشجيعها على الالتزام بالمعايير الدولية وأشكال السلوك الدولية المقبولة. تنبع النظرة الأوروبية الجديدة لمنطقة "الهندي - الهادئ" من الاعتراف السياسي بالحاجة إلى تحمّل أوروبا مسؤولية عالمية أكبر، لكنها تعكس، أيضاً، الرغبة في التأثير على شؤون منطقةٍ بعيدةٍ، مصيرها مرتبط بأوروبا. لكن، هناك عوامل تعوق وضع الاستراتيجية الأوروبية موضع التنفيذ، وتحرمها من ضماناتٍ تلزم لنجاحها.

تعاني أوروبا من ضغط علاقات الاستقطاب المتوترة بين الصين والولايات المتحدة منذ عهد ترامب

على الرغم من أن الأوروبيين توافقوا أخيراً على قبول المصطلح المذكور، إلا أنهم لا يتفقون على مضمونه الجغرافي (13 دولة من أصل 27 اتفقت على أنه يشمل المنطقة من الساحل الشرقي لأفريقيا وإلى الساحل الغربي للأميركتين)، ولن يتحمس أعضاءٌ للمشاركة إذا ما أريد تنفيذ تلك الاستراتيجية خارج الدلالات الجغرافية التي يتبنّونها. أيضاً، تفتقر دول أوروبية عديدة للقدرات العسكرية اللازمة للتعامل مع المنطقة من منظور استراتيجي، وتفضّل التعامل معها من منظور اقتصادي، وترى أن التحوّل الاستراتيجي يقع على عاتق الدول الأوروبية الكبرى، بينما هناك دولٌ لا تربطها علاقات اقتصادية قوية مع المنطقة. وبالنسبة لدول في أوروبا الشرقية، تشكّل بكين، بالنسبة لها، واحداً من أكبر ثلاثة شركاء رئيسين. أيضاً، لا يتفق الأوروبيون على الدول التي ينبغي أن تكون شريكة حقيقية لأوروبا في تلك المنطقة. لذا، لا يعدو النهج الاستراتيجي الأوروبي تجاه الصين أن يكون أكثر من إعلان مبادئ من دون مضمون حقيقي يدعمها، فضلاً عن رسالتها الغامضة تجاه العدو والصديق.

تدرك أستراليا أن الحياد الأوروبي لم يعد خياراً، وليست مضطرّة للتورّط في الاستراتيجية الفرنسية والأوروبية المتردّدة، وقد طوّرت استراتيجية لتحقيق التوازن بين الضرورات الأمنية وحاجاتها الاقتصادية، لتحافظ على مستوىً من المشاركة الاقتصادية مع الصين، بينما تبحث عن ضماناتٍ أمنية في شراكتها مع الولايات المتحدة، وبشكل متزايد. ويندرج انضمام بريطانيا في الشراكة الأمنية مع أستراليا، إلى جانب الولايات المتحدة، ضمن استراتيجية "بريطانيا العالمية" التي تستهدف منطقة "الهندي - الهادئ"، ويقودها بوريس جونسون، منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كان بايدن صريحاً في إعلان أهداف الصفقة التي، برأيه، ستؤدّي إلى تعزيز التحالفات وتحديثها مع تغير الأولويات الاستراتيجية، لكن ما هو غير معلن أميركيا أن بريطانيا سوف تظلّ الشريك الاستراتيجي الأوروبي، من خارج الاتحاد الأوروبي، المفضل على فرنسا، خصوصاً في ما يتعلق بالمجالات الحساسة للأمن والتكنولوجيا العسكرية.