"المستشارة"..في رحلة ميركل من الفيزياء إلى القيادة

"المستشارة" .. كتاب في رحلة ميركل من الفيزياء إلى قيادة ألمانيا

10 ديسمبر 2021
+ الخط -

أسئلة عديدة تحاول الصحافية الأميركية (المجرية الأصل)، كاتي مارتون، الإجابة عنها في كتابها "المستشارة: مسيرة أنجيلا ميركل الملحمية" (تعريب ماجد حامد، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2021)، الذي يجمع بين سيرة ذاتية آسرة وقصة إنسانية لرحلة شخصية رائعة، ارتقت صاحبتها وصعدت لتصبح أول مستشارة في تاريخ ألمانيا، وزعيمة في الاتحاد الأوروبي والعالم، وهي التي ولدت في هامبورغ عام 1954، لكنها نشأت وترعرعت في قرية تمبلين، الصغيرة والمنسية في ألمانيا الشرقية. وتطاول الأسئلة الكيفية التي استطاعت فيها ميركل تحقيق ذلك كله في بلدٍ لم يسبق لامرأة أن تحكمه، والكيفية التي مكّنت تلك المرأة من الوصول إلى أرفع منصب في ألمانيا، والحفاظ عليه فترة طويلة، ومن إطالة حياتها السياسية في عالم يعاني من التشرذم على المستويين، السياسي والاجتماعي، وواجهت فيه قادة متسلطين وعدائيين، أمثال فلاديمير بوتين ودونالد ترامب وسواهما.

وتنفتح سيرة المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، التي غادرت منصبها أول من أمس الأربعاء (8 ديسمبر/ كانون الأول)، على محطّات في طفولتها وشبابها ثم صعودها وتألقها السياسي، لتصبح أقوى امرأة في العالم، حكمت أقوى دولة أوروبية 16 عاماً متواصلة، وتمتعت بمكانة عالمية. والأهم أنها حوّلت ألمانيا إلى دولة عظمى تقود الدول على المستوى الأوروبي، ليس اقتصادياً وحسب، بل أخلاقياً أيضاً، وإلى أمة تستضيف عدداً كبيراً من اللاجئين بعد السماح بلجوء مليون لاجئ شرق أوسطي إليها، حيث شكّلت سياسة اللجوء التي انتهجتها ميركل تحولاً تاريخياً في صورة ألمانيا، ذلك أن الدولة المسؤولة عن "الهولوكوست" تحوّلت إلى مركز أخلاقي في العالم.

أتقنت فن التكيف مع الأجواء السائدة حولها، والتسوية الشائكة، كما تعلمت أهمية كبح انفعالاتها والاحتفاظ بآرائها لنفسها

ويبدو أن مهمة كاتي مارتون لم تكن سهلة، لأنها منذ البداية تشكو من حرص ميركل على الخصوصية، الذي يصل، في بعض الأحيان، إلى البارانويا، فهي لم تحتفظ بدفتر يوميات، كما لم تستخدم البريد الإلكتروني والرسائل النصية إلا عند الضرورة، على أن تكون مقتضبة غالبا. ووصل هوس ميركل بالخصوصية إلى إنهاء علاقتها بكل من يكشف أي تفاصيل عن حياتها، ولو بدا ذلك التفصيل المرتبط بحياتها بسيطاً وتافهاً، حتى أن أحد حلفائها خسر ثقتها بالكامل، بعد نشره رسالة بريد إلكتروني أرسلتها إليه، وكانت من أربع كلمات فقط: "شكراً على الاقتراح، أ. م".

ولعل تحفظ ميركل وحرصها على الخصوصية ما دفع مؤلفة الكتاب إلى الاستناد إلى مقابلاتٍ أجرتها مع مرشدي ميركل وأصدقائها وزملائها، ومقربين إليها عديدين أبدوا استعدادهم لتقديم المساعدة، واشترطوا عدم ذكر أسمائهم، إلى جانب لقاءات جمعتها بالمستشارة الألمانية، وعزّزت الألفة التي تكونت لدى المؤلفة، بعد التعرّف إليها عن قرب وفهمها أكثر.

كان والد أنجيلا قسّاً يدعى هورست كاسنر، لذلك كانت المستشارة تدعى أنجيلا كاسنر عند ولادتها في 17 يوليو/ تموز 1954 في مشفى بارمبيك في هامبورغ. أما والدتها هيرلند فكانت مدرسة لغة إنكليزية. وبعد ولادتها بشهرين، نقلتها والدتها معها إلى ألمانيا الشرقية للحاق بوالدها الذي انتقل إلى هناك بحكم عمله، وذلك في فترة ما قبل بناء سور برلين، حيث كانت مثل تلك الانتقالات عادية بين شطري ألمانيا. وفي طفولتها، تعلّمت أنجيلا بسرعة اللغة الإنكليزية من والدتها، وكانت الكتب وسيلتها للهروب من الضجر في عالمها الصغير، ولإشباع فضولها الشره لاكتشاف عوالم جديدة، حيث قرأت بنهم، خلال الليالي الطوال والمظلمة في قريتها المعزولة عن العالم، الكلاسيكيات الروسية، ومن خلالها تعلمت اللغة الروسية وأتقنتها، وتعلقت بالثقافة الروسية، مع الحرص على عدم الخلط بين الشعب الروسي وقادته السوفييت. كما قرأت سيراً ذاتية لرجال دولة وعلماء عظام، وعثرت بينهم على ماري كوري، المرأة الأولى التي فازت بجائزة نوبل مرّتين، حيث انجذبت ميركل نحوها، وألهمتها مسيرة كوري، من الناحية العلمية التي تتوجت باكتشاف عنصر الراديوم.

وفي خريف عام 1973 غادرت أنجيلا منزلها للالتحاق بجامعة لايبزغ لدراسة الفيزياء، حيث هربت إلى ميدان العلم الأكثر أمناً في الدولة الشمولية، وبرّرت خيارها بالقول لاحقاً: "اخترت الفيزياء لأنني رغبت في فهم نظرية آينشتاين حول النسبية، ولأن ألمانيا الشرقية لم تكن قادرةً على تعليق أساسيات علم الرياضيات وقوانين الطبيعة". وعندما أنهت دراستها الجامعية في 1978 غادرت لايبزغ إلى برلين، كي تلتحق بمركز الكيمياء الفيزيائية بأكاديمية العلوم فيها، وحصلت على الدكتوراة عام 1990.

حوّلت ألمانيا إلى دولة عظمى على المستوى الأوروبي، ليس اقتصادياً وحسب، بل أخلاقياً أيضاً

وترى مؤلفة الكتاب أن ميركل كانت لوثرية مؤمنة بحكم نشأتها، وأتقنت فن النجاة والبقاء على قيد الحياة بدهاء، كما كانت تنتمي إلى رابطة الشباب الشيوعي في الوقت نفسه، وما كانت تعرّض نفسها للخطر من خلال انتقادها المجاليْن، الديني والسياسي، فقد أتقنت فن التكيف مع الأجواء السائدة حولها، والتسوية الشائكة، كما تعلمت أهمية كبح انفعالاتها والاحتفاظ بآرائها لنفسها، وتطلب الإبحار بين الكنيسة والدولة، وبين التفكير المستقل والعقيدة الماركسية اللينينية، ذكاءً حادّاً وتفكيراً منطقياً وعقلاً نيراً وعاطفة منضبطة.

وعملت أنجيلا، خلال دراستها في جامعة لايبزغ، نادلة في إحدى الحانات الطلابية، ووفر لها عملها بعض المال خلال دراستها لسداد إيجار شقتها المستأجرة. وتزوجت أنجيلا كاسنر في عام 1977 من زميلها أُلرش ميركل، وبات اسمها أنجيلا ميركل. وبعد ثلاث سنوات، أدركت أن قرار الزواج لم يكن صائباً، وتطلقت بشكل ودّي وبالتراضي، ثم تزوجت من عالم الكيمياء واكيم زاور.

ولم تدخل ميركل الحياة السياسية إلا بعد سقوط حائط برلين في عام 1989، حيث عملت، في البداية، في المساعدة في ربط أجهزة الحاسوب في مكتب حزب الصحوة الديمقراطية، أحد أحزاب ألمانيا الشرقية الجديدة الذي تشكّل بعد سقوط جدار برلين، ثم اندمج هذا الحزب بحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وبالتحديد قبل شهرين من توحيد ألمانيا. ومنذ ذلك الوقت، أغرمت ميركل بالسياسة، بعد أن تخلّت نهائياً عن العمل العلمي، وعلقت على ذلك بالقول: "كنت بارعة في الفيزياء، ولكني لم أكن شخصاً مميزاً إلى درجة تتيح له الفوز بجائزة نوبل"، الأمر الذي يشير إلى أنها أرادت العمل في مجالٍ يمكنها أن تصل فيه إلى القمة، وأنها كانت مستعدّة إلى انتظار عقود لبلوغ القمة التي عملت من أجل الوصول إليها.

وتفيد مؤلفة الكتاب أن ميركل امرأة قادمة من الشرق الألماني أمر أسهم في بزوغ نجمها السياسي، إذ عندما سعى المستشار الألماني الأسبق، هلموت كول، إلى إشراك سياسيين من شطري ألمانيا في إدارة البلاد، سيما من النساء، لم يجد أفضل من أنجيلا الطموحة والحذقة، وذات التفكير المستقل، في ظل ندرة الشرقيات العاملات في ميدان السياسة. ودعم بروزها السياسي قدرتها على ضبط النفس، وتفكيرها الاستراتيجي، ولجوئها نحو السلبية الشديدة عند الضرورة.

 لم تحتفظ ميركل بدفتر يوميات، كما لم تستخدم البريد الإلكتروني والرسائل النصية إلا عند الضرورة

تولت أنجيلا ميركل في 18 يناير/ كانون الثاني 1991 منصبها الوزاري الأول في حكومة هيلموت كول وزيرة لشؤون المرأة والشباب. وقد قالت إن المستشار كول هو من أطلقها إلى العالمية من خلال اصطحابها إلى الولايات المتحدة في العام 1991، حيث قدّمها إلى الرئيس الأميركي رونالد ريغان. وكانت ميركل جزءاً من خطّة كول نحو دمج شطري ألمانيا في دولة واحدة، حيث كان كول يعاملها بوصفها جائزة من نوع ما في سبيل توحيد ألمانيا. وفي 1994 أصبحت ميركل وزيرة للبيئة، وتوجب عليها أن تكون ضليعة في السياسة الألمانية، وأن تحسّن علاقتها بالإعلام، لأن الأضواء سلطت عليها أكثر من قبل. وفي 1998، فشل كول في حملته الخامسة للبقاء في الحكم، بعد أن أمضى 16 عاماً في القيادة. وفي المقابل، أضحت ميركل شيئاً فشيئاً شخصية نافذة في قيادة الحزب الديمقراطي المسيحي، حيث كانت وزيرة، وعضواً في البرلمان الألماني الاتحادي، وسياسية معروفة ومرموقة، وسرعان ما أدرك الحزب وألمانيا أنها لم تكن تلك الشابة الساذجة التي ظنّوها. وفي أحد الأيام، استيقظ الألمان على مقال في صحيفة فرانكفورت العامة بعنوان "أفعال هلموت كول تدمر الحزب" بقلم أنجيلا ميركل، وصدم العنوان السياسيين الألمان، وبرّرت ميركل ما كتبته بأن ولاءها للحزب وليس للشخص، وقالت ببرود "لن يعود كول رئيساً للحزب مجدّداً".

وفي مطلع عام 2000 قدّمت ميركل نفسها لقيادة الحزب الديمقراطي المسيحي، فانتخبت من دون معارضة، وتحوّلت المرأة ذات الخمسة وأربعين عاماً من فيزيائية إلى سياسية، وقدّمت رؤية مختلفة وبداية جديدة لحزب ما بعد الحرب الباردة. وعندما دعا المستشار غيرهارد شرودر إلى انتخابات مبكرة في العام 2005، لم يتوقع أحدٌ في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي أن تفوز ميركل، وتصبح أول مستشارة امرأة في البلاد.

وتعتبر مؤلفة الكتاب أن هدف ميركل من تولّي المسؤولية جعل ألمانيا دولة قوية بما يكفي لمواجهة عنف روسيا، بالإضافة إلى التحلّي بالوعي الكافي لمقاومة الفيروس الأزلي، المتمثل في العنصرية وكراهية الغرباء. وشكلت العلاقة مع حلف الناتو وعبر الأطلسي حجر الأساس لسياسة ميركل الخارجية، وباعتبار ألمانيا جزءاً من أوروبا. واتسمت المستشارة بالهدوء والرزانة منذ اليوم الأول الذي بدأت فيه العمل في المجال السياسي، وكانت تصل إلى مكتبها كل يوم مع بزوغ شمس برلين. ولم يتغير روتين ميركل اليومي في 16 عاماً. كما أنها كانت قادرة على الفصل بين عملها وحياتها الشخصية في كل خطوة، وهي محاطةٌ بفريق عملها، إذ على الرغم من كل المهام اليومية الموزّعة على مفاصل الحكومة كلها، لم تسمح لأي أحد من مساعديها بأن يزور شقّتها المستأجرة التي لم تغادرها عندما أصبحت مستشارة ألمانيا، والتي تقع في مبنى قريب من مكتبها. وأصبحت ميركل آلة سياسية شبه كاملة، فأدارت حزبها، وحكمت بلدها، وسعت إلى تنفيذ سياستها في بلدها وفي كل دول الغرب والعالم.

الكتاب لم يلتفت إلى أن المستشارة تعد أيضاً أحد رموز النظام الاقتصادي والمالي العالمي الذي تسبب في كوارث وأزمات عديدة في العالم

وترى مؤلفة كتاب "المستشارة: مسيرة أنجيلا ميركل الملحمية" أن ميركل بعد أن تغادر منصبها لن يرى العالم شخصية بمثل فضولها، وانفتاحها على الأفكار الجديدة، وتعطّشها لفهم كيفية عمل الأشياء، وما الذي يحفز الناس، وهي الصفات التي أظهرتها المستشارة طوال السنوات التي أمضتها في الحكم. وحين سُئلت أن تصف يوماً مثالياً لها بعد ترك منصبها، أجابت: "سأنام طويلاً، وأتناول فطوراً بسيطاً، ثم سأخرج لاستنشاق بعض الهواء الطلق، وسأتحدّث مع زوجي أو مع الأصدقاء. قد أذهب إلى المسرح أو الأوبرا أو أستمع إلى حفلة موسيقية، وإذا كنت أشعر بالراحة، فقد أقرأ كتاباً جيداً، وربما سأطهو العشاء، فأنا أحب الطهو".

وتخلص المؤلفة إلى أن لغز نجاح أنجيلا ميركل يكمن في عبقريتها السياسية، وإظهارها قدرة كبيرة في مجادلة خصومها عوضاً عن محادثتهم، وامتلاكها براعةً في التفاوض، بوصفه عملية شاقّة تتطلب الصبر، ومكّنتها من عقد الصفقات من دون المساومة على مبادئها، كما ميزها دهاء دفعها إلى التقرّب من خصومها السياسيين، وتعيينهم في الحكومات التي شكّلتها، بل ولم تجد حرجاً في تبني بعض سياساتهم، بغية تجريدهم من الشعارات التي كان يمكنهم استخدامها ضد سياساتها. إضافة إلى أن ميركل لم يصبها الغرور، بل كانت متواضعة وبشكل أتاح للساسة الآخرين أن ينسبوا الفضل لأنفسهم في نجاحاتٍ عملوا معها على تحقيقها.

والواقع أن مسيرة أنجيلا ميركل السياسية تستحق التوقف عندها طويلاً، بوصفها شخصية سياسية استثنائية وفق مختلف المعايير، لكن الكتاب لم يلتفت إلى أن المستشارة تعد أيضاً أحد رموز النظام الاقتصادي والمالي العالمي الذي تسبب في كوارث وأزمات عديدة في العالم، وخصوصا الأزمة التي انفجرت عام 2008، وساهمت ميركل في اجتراح حلول تقشفية لإنقاذ الشركات والبنوك المفلسة، والتي صبّت في صالح الفئة الأغنى في العالم، وعلى حساب الفئات الوسطى والضعيفة.