"الفضيلة" الأفغانية الغائبة

"الفضيلة" الأفغانية الغائبة

07 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

فيما ينشغل العالم كله، حكومات ورأياً عاماً، بالزلزال العنيف الذي أحدثته الهزيمة السياسية الأميركية المنكرة في أفغانستان، على نحو أكثر بكثير مما يشغل بال من دخلوا إلى كابول من دون أن يطلقوا رصاصة واحدة، كانت هذه الواقعة التأسيسية لزمن أميركي جديد، قد تشمل ارتداداته نطاقاً أوسع مجالاً من جغرافيا الهضبة الآسيوية العصية على الغُزاة، تبعث لنا جملةً طويلة من الدروس والعبر الثمينة، بعضها يخصّ شعوب هذه المنطقة التي نادراً ما تُحسن زعاماتُها قراءة التطورات المحيطة، ويلتبس على نخبها وقواها الاجتماعية فهم الرسائل التي تُخاطبها بصورة مباشرة، والتقاط مغزى تدافع المتغيرات في عالمٍ لا يكفّ عن التغيّر من حولها.
ولعل أثمن ما غاب عن أذهان العامة، لا سيما المبتهجون بانتصار حركة طالبان، ربما لشدّة بديهية الحقيقة المتجلية في رابعة النهار، أن الانسحاب الأميركي المشين، بعد عقدين طافحين بالدماء والإخفاقات وهدر الأموال، يؤكد على ما هو مؤكد بالتمام والكمال، بلا زيادة أو نقصان، وهو أن "كل احتلال إلى زوال" مهما طال أو اتسع وتمادى في إنتاج واقع يخالف طبيعة الأشياء، بما في ذلك الاحتلال الإسرائيلي الذي طال أكثر من كل الاحتلالات، قمَع وقهَر وهجّر، ولم ينفكّ يوماً عن التوسّع وهدم المنازل والعربدة وإقامة المستوطنات، ناهيك عن سفك الدماء وفرض الحصار.
هذه الحقيقة البديهية التي أعاد جلاء الاحتلال الأميركي عن بلاد الأفغان تعزيزها كان يجب أن يُظهِرها على الملأ المحتفون بصحوة "المارد السنّي" من بعد سباتٍ طويل، بصورةٍ تخدم العرض السياسي الراهن، عوضاً عن خدمة الفقه والشرعة. وكان على المهنئين، من غزة تحديداً، كتابة هذه الحقيقة الخالدة بالخط الأسود العريض على كل حائطٍ تقع عليه أعين محاصَري القطاع الباسل العتيد، خصوصا على السياج الشائك، حيث تجري فعاليات الإرباك الليلي وتنتظم المسيرات المطالِبة بكسر الحصار، لتذكيرهم كل صباح ومساء بأنهم محتلّون، بل وكيّ وعيهم الجماعي بأن مصيرهم كمصير كل الغزاة، فهم ليسوا أقوى من الدولة العظمى الوحيدة التي انسحبت مدحورة من بلاد الملا هبة الله.
ذلك أنه في خضم ردود الفعل الهائلة، والتفاعلات التي لا تزال تتواتر على الحدث الأفغاني، وتهجس بمآلات بلدٍ خرجت منه قوتان عظميان تجرّان أذيال الخيبة، كان لافتاً تصريح أدلى به موسى أبو مرزوق، وهو أكثر قادة حركة حماس توازناً واتزاناً، أشاد فيه بانتصار حركة طالبان، وهذا حقّه من دون ريب، حيث قال إن "طالبان" حركة تحرير وطني، وهذا كلام فيه قولان. وأضاف أول رئيس لمكتب "حماس" السياسي، مغرّدا، إن هذه الحركة المجاهدة لم تنخدع بالمفاوضات ولا بالديمقراطية أو الانتخابات، أي بكل ما درجت الحركات الأصولية على وصفه بدعة غربية مستهجنة ينبغي رفضها، أو عدم الأخذ بها، صوناً لموروثٍ تليد، وحفظاً لدينٍ حنيفٍ بكل تأكيد.
وأحسب أن المفردات الثلاث هذه (المفاوضات والديمقراطية والانتخابات) الواردة على لسان أبو مرزوق تستحق، كل واحدةٍ على حدة، التمحيص الشديد، نظراً إلى ما تنطوي عليه من إعجابٍ بمثل هذه الفضائل الأفغانية، وما تُفصح عنه من تفضيلاتٍ عميقةٍ لدى سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة.
في ما يخص المفاوضات المكروهة أباً عن جد من "حماس"، من المستغرب ألا يكون أبو مرزوق قد علم بحقيقة أن هذه العملية كانت تجري علناً، ومنذ عهد دونالد ترامب، على مقربة من مقر إقامة الرجل في الدوحة، التي تفوّقت (بالمناسبة) على نفسها، وتحوّلت إلى كعبة للدبلوماسية الخلّاقة في هذه الأزمة. أما إذا كان أبو مرزوق لا علم له، وهذا مستبعد، فقد كانت تكفيه مشاهدة نشرة حصاد "الجزيرة" مرة واحدة، كي يدري بالمجريات من حوله. وفي ما يتصل بالفضيلة الأفغانية الثانية، عدم الانخداع بالديمقراطية، فإن الصدمة هنا تبلغ ذروتها، إذا كانت "حماس" ترى في هذه النقيصة ميزة، وتعتقد أن في الأمر قدوة تقتدى، أو ربما فرصة أخرى غائبة ينبغي الأخذ بها.
يتبقى من هذه النماذج الأفغانية "الملهمة" موضوع الانتخابات، التي كانت قبل نحو ثلاثة أشهر نقطة خلاف حادّة، عندما اتخذت السلطة الفلسطينية قراراً خاطئاً بتأجيلها، الأمر الذي أثار غضب "حماس" التي تمنع إجراء أي انتخابات بلدية أو نقابية في غزة، وتشارك بمثيلاتها الجارية بانتظام في الضفة الغربية، وجعل بعض قادتها يقدّون ثيابهم حزناً على مثل هذه الخسارة العامّة الطامّة.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي