"العدالة والتنمية" المغربي .. كأنه إلى النهاية

19 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

من مكر السياسة أن تبدأ الولاية الثانية لحزب العدالة والتنمية في الحكومة وتنتهي ببلوكاج (انسداد) سياسي، بعد تفكّك الأغلبية الحكومية الأسبوع الماضي، باختيار الرباعي الحزبي المتحالف معه التصويت، بمعية أحزاب المعارضة، لصالح تعديل القاسم الانتخابي، وإلغاء العتبة في قوانين الانتخابات. ولكن شتان ما بين الانسدادين؛ فالأول كان دفاعا عن الإرادة الشعبية، المعبر عنها في انتخابات 2016. أما الأخير، فظاهره حماية التجربة "الديمقراطية" في البلد، وباطنه أشياء ومصالح أخرى، فما أكثر لحظات استهداف الديمقراطية في الولاية، من دون أن يقضّ ذلك مضجع إخوان أمين عام الحزب، رئيس الحكومة سعد الدين العثماني.

عاد الإسلاميون في التحالف الحكومي، بعد إقرار النصوص المؤطّرة لانتخابات 2021، إلى الحديث عن استهدافهم من الدولة العميقة بتنسيق مع الأحزاب السياسية، قصد تقليص نصيبه من المقاعد في الانتخابات المقبلة. صحيحٌ أن اعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجّلين في القوائم الانتخابية، لا على أساس المشاركين فعلا في عملية التصويت، يجعل "العدالة والتنمية" الضحية الأولى لهذه البدعة التي مثلت سابقةً في إصلاح قوانين الانتخابات. وأن هذه الفكرة الفريدة والعبثية تفقد العملية الانتخابية أي معنى، إذ يتساوى المصوّت والمقاطع، وحتى الميت المسجل، في إعطاء شرعية تمثيلية.

نجحت السلطوية في تحويل حزب العدالة والتنمية من الضحية إلى المتّهم، في معركة القاسم الانتخابي، ولا سيما أنه بقي وحيدا ضد الجميع من دون أي سند مدني أو حقوقي، باستثناء قادته وقواعده الذين اصطفوا للدفاع عن الديمقراطية. حاولت قيادة الحزب استغلال لحظة الإجماع الاستثنائية هذه، لردم الهوة بين أطياف الحزب (تيار الاستوزار، تيار عبد الإله بنكيران، المبادرة الشبابية) المنقسم على نفسه، نتيجة أخطاء القيادة في إدارة الولاية الحكومية. وكان جديدها توقيع سعد الدين العثماني، في 22 ديسمبر/ كانون الأول 2020، على اتفاقية تطبيع المغرب مع الكيان الصهيوني. وقبل ذلك، إقرار قانون فرنسة التعليم، في يوليو/ تموز 2019، في تناقضٍ صارخٍ مع مرجعية الحزب وهويته.

نجحت السلطوية في تحويل حزب العدالة والتنمية من الضحية إلى المتّهم، في معركة القاسم الانتخابي، سيما أنه بقي وحيدا ضد الجميع

لم تدم وحدة الصف طويلا، فسرعان ما سينفجر لغم آخر في وجه العثماني، محدثا، هذه المرة، زلزلا كبيرا في صفوف الحزب. يتعلق الأمر بمصادقة المجلس الحكومي على مشروع قانون لتقنين زراعة القنّب الهندي (الكيف)، ما خلف ذهولا في صفوف الحزب الإسلامي، فحتى القادة التبريريون في الحزب، ممن استعانوا بالحيل الفقهية وقواعد الترجيح لشرعنة قرار التطبيع، فقدوا أمام هذه الواقعة الحجّة لإقناع قواعدهم وعموم المغاربة، بهذا الانقلاب المفاجئ في الموقف من المسألة. ولا سيما أن الأمانة العامة للحزب رفضت، سنة 2016، وبشكل مطلق، في بلاغ (بيان) لها، مقترح قانون تقدم به فريق حزب الأصالة والمعاصرة حول الموضوع.

اهتز الحزب مجدّدا، مع إمعان قيادته في تبنّي قرارات تكشف عن خيانة المبادئ والانسلاخ عن الهوية، لكن هذه المرّة بشكل أقوى، فبعد استقالة الوزير السابق عبد العزيز العماري من الأمانة العامة، وتجميد المقرئ أبو زيد عضويته في الحزب، جاءت استقالة رئيس المجلس الوطني، برلمان الحزب، إدريس الأزمي، من المجلس والأمانة العامة للحزب معا، في رسالة اكتنفها غموضٌ كثير، لتكشف جانبا من الأزمة الداخلية، غير مسبوقة في تاريخ الحزب.

يأتي تنفيذ الأمين العام السابق للحزب عبد الإله بنكيران تهديده بتجميد عضويته في الحزب، متى وافقت الأمانة العامة على مشروع تقنين زراعة القنّب الهندي، ليربك أوراق قيادة الحزب، ويزيد من شدّة الاحتقان في صفوف "إخوانه"، بعدما رهن استقالته من الحزب بتصويت الفريق النيابي للحزب في البرلمان على القانون. وبدت الجدّية في قرارات الرجل هذه المرة، بتذييل بيان تجميد العضوية بالإعلان عن قطع علاقاته مع قيادات بارزة في الحزب، في مقدمها رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، ووزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان مصطفى الرميد، وكل من وزيري الطاقة عزيز رباح، والشغل محمد أمكراز، والوزير السابق لحسن الداودي.

اهتز الحزب مجدّدا، مع إمعان قيادته في تبنّي قرارات تكشف عن خيانة المبادئ والانسلاخ عن الهوية

يجد حزب العدالة والتنمية نفسه، بعد مضي أربع سنوات على إعفاء زعيمه بنكيران من تشكيل الحكومة، في 15 مارس/ آذار 2017، قد أحرق كل أوراقه، في إدارة هذه المرحلة، بالتفريط في ثوابته الكبرى، من خلال الحرص على تقديم تبريرات لأخطاء السلطوية (حقوق الإنسان والحريات ..)، واعتماد منهجية التقرير بشكل انفرادي، من موقع الحكومة، ثم إلزام الحزب بها، حتى وصل إلى الباب المسدود، فهو اليوم تائهٌ بين مطرقة الأزمة التنظيمية داخليا، فقد أضحى تماسُك الحزب مهدّدا أكثر من أي وقت مضى، وسندان أزمة الأغلبية الحكومية المفقودة، بعد تباين المواقف بشأن تعديل القوانين الانتخابية، حيث صوّتت باقي مكونات الأغلبية مع أحزاب المعارضة، ما يؤكّد أن هناك أغلبية حزبية أكبر من الأغلبية الحكومية.

أزمة سياسية حقيقية تفرض على حزبٍ عارَض تغيير القاسم الانتخابي، بمبرّر تحصين التجربة الديمقراطية، وهو على حق في دعواه، أن يبقى وفيا للفكرة الديمقراطية، بتفعيل مقتضيات الدستور أمام هذه الواقعة. وذلك بإعمال أحد الخيارين: إما الفصل 103 من الدستور، الذي يربط مواصلة الحكومة مسؤوليتها بتصويتٍ يمنحها الثقة، أو تفعيل الفصل 47 من الدستور، وينص على تقديم رئيس الحكومة استقالته للملك، ما يؤدّي، بشكل تلقائي، إلى استقالة الحكومة.

يوشك على بلوغ خط النهاية في سباق دخله منذ 2011، من دون أن يكسب معركة الرهان الديمقراطي

يبقى اللجوء إلى هذه الخيارات مستبعدا، بالنظر إلى حرص "العدالة والتنمية" على تفادي أي اصطدام أو مواجهة مع المؤسسة الملكية أولا. ثم لأنها ممارساتٌ غير مألوفة في تاريخ السياسة في المغرب ثانيا. ولأنها أخيرا ستبقى مواجهةً بلا أثر، فعمر الحكومة الحالية لا يتجاوز بضعة أشهر، قبل حلول موعد الانتخابات المرتقبة، مطلع الخريف. تتعزّز فرضية الاستبعاد تلك، بتباطؤ المجلس الوطني، برلمان الحزب، في الدعوة إلى عقد دورة استثنائية، على الرغم من توالي الهزّات الداخلية ما يزيد عن شهر، لمناقشة آخر المستجدات السياسية، واتخاذ المواقف اللازمة بشأنها.

أي موقف بقي أمام الحزب، وهو يستعد لخوض غمار الاستحقاق الانتخابي، في ظل عزلة سياسية غير مسبوقة، ساهمت فيها قيادته بشكل كبير؟ وعلى فرض احتواء الأزمة الداخلية الحادّة، وإن كانت المؤشّرات تفيد بالنقيض من ذلك، فإن ظفر الحزب بولاية ثالثة بات شبه مستحيل، بعدما فرض عليه التقليص القسري بالقانون. إنه يوشك على بلوغ خط النهاية، في سباق دخل غماره منذ 2011، من دون أن ينجح في كسب معركة الرهان الديمقراطي في المغرب. وبدا كأنه يعيد استنساخ تجربة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مع تسجيل فوارق في التفاصيل حسب السياق والحيثيات. لقد ضيّع على نفسه فرصة تاريخية، كانت ستفتح المسار على إمكاناتٍ أخرى للديمقراطية في المغرب، إنها خيار التحول إلى المعارضة لحظة إقالة زعيمه الأسبق، لأنه شتان بين أن يختار الحزب المعارضة وهو في أوج قوته، وأن تفرض عليه الظروف السياسية التحوّل إليها وهو في حالة ضعف.