"الشِّعر هو السُّلطة"

"الشِّعر هو السُّلطة"

07 سبتمبر 2021
الصورة

(نهاد الترك)

+ الخط -

"الشعر هو السلطة"، جملة أطلقها ذات يوم الشاعر الروسي، أوسيب مندلشتام (1891-1938) ، الذي غدا أكبر الشعراء الروس في القرن العشرين، باعتراف كبار كتّاب عصره، من أمثال فلاديمير نابوكوف، بول سيلان ورينيه شار. لكنّه، وللأسف، عاش الجحيم الستاليني إثر انتشار قصيدةٍ هجائيةٍ له، قرأها في دوائر مقفلة، بعنوان "جَبَلي الكرملين"، وفيها هاجم الطاغية ووصفه بالقسوة والجلافة ("أصابعه الغليظة ضخمة كديدان")، فكان أن قبض عليه مرتين، إلى أن قضى جوعا وبردا وإنهاكا، فرُمي جثمانُه في حفرة مجهولة، فوق أجساد أخرى، كانت تخرّ بردًا ويأسًا.
في كتاب بعنوان "ضد كل أمل"، قدّم له الشاعر الروسي، جوزف برودسكي، الحائز على جائزة نوبل للآداب، تروي زوجة الشاعر، نادِجدا مندلشتام، مذكّراتها عن السنوات الرهيبة تلك. ومع أنها كتبت شهادتها عام 1964، إلا أن الكتاب لم ير النور قبل أن يبلغ، مخطوطةً وسرّا، الولايات المتحدة، فكان أن نُشر في الغرب، خلال السبعينيات، تحت عنوان "ذكريات"، ما ساهم، إلى حدّ كبير، بالتعريف بالشاعر عالميا.
تبدأ المذكرات عام 1934، عندما قُبض على أوسيب أول مرة، فحاول الانتحار، لكن تدخّل المثقف والسياسيّ السوفييتي، نيكولاي بوخارين، لصالحه، خفّف العقوبة، وحوّلها إلى منفى سُمح له باختياره. تروي نادِجدا سنوات المنفى الثلاث في فورونيج، والتي انتهت بوفاة الشاعر داخل مقصورة قطار كان ينقله إلى سيبيريا، ذات يوم (27 ديسمبر؟) من العام 1938. وكان قد قُبض عليه للمرة الثانية، وصدر بحقّه الحكم بقضاء خمس سنواتٍ من الأشغال الشاقة، في أحد معسكرات الاعتقال في سيبيريا. ولم يرأف لمندلشتام تأليفُه قصيدةً كتبها خصيصا لستالين، إذ اتّهمته المؤسسة الأدبية بآرائه المعادية للسوفييت، وذلك إثر الشروع في عملية التطهير الكبرى للقضاء على كل معارضة.
والحال أن أوسيب ماندلشتام لم يكن في الحقيقة مخلصا لزوجته التي اقترن بها عام 1922 في مدينة كييف، في أوكرانيا، حيث كانت تعيش مع عائلتها، قبل أن ينتقلا إلى العيش في موسكو. وقد حكي الكثير عن مغامراته مع أكثر من واحدةٍ في أثناء زواجه. وبالتحديد عن ارتباطه بعلاقتيْ غرام متباعدتين، كادتا أن توديا بزواجه. ومع ذلك، اختارت نادِجدا مرافقته إلى المنفى، حيث أقامت في ظروف حياتية صعبة جدا، وعرفت القلّة والخوف، واجتهدت لكي تحفظ قصائده وتخفي مخطوطاته الورقية، وهو ما استمرّت تفعله، بعد إعادة الاعتبار لمندلشتام، من خلال إعادة ترتيب قصائده ونشرها.
ومما يلفت النظر في كتاب "ضد كل أمل" الغياب شبه الكامل لأنا كاتبته التي قلّما تكلّمت عن نفسها أو عن معاناتها. على العكس، نراها مركّزة على مُقاساة زوجها، بالتوازي مع عذابات جيلٍ بأكمله من المثقفين والكتّاب والمبدعين والناشطين السياسيين الذين حوصروا واضطهدوا وحوربوا وماتوا ظلما ودفاعا عن حريّة آرائهم وأفكارهم. أجل، لقد خنق ستالين الثقافة والإبداع الروسيّين، وقام بإخضاع شعوبٍ بأكملها وتخويفها، فقط ليسود هو.
تقول: "بغضّ النظر عن الأشخاص الذين أُرغموا على "التعامل"، كان المتطوّعون جحافل"... "سمعتُ أحدَ مفتّشي وزارة التعليم الرسمي يطلب من المعلّمين التوقّف عن إرسال الوشايات والتقارير، ويُنذرهم بأن الرسائل المجهولة ما عادت حتى تُقرأ". وبالفعل، تشكّل مذكّرات نادِجنا شهادة حية، بسيطة وعفوية، عن أكثر سنوات زوجها حِلكةً وخصوبة، وكذلك عن معاناة آخرين، من أمثال أخماتوفا، باسترناك، بوخارين وشلوفسكي، وإرغامهم على الصمت خلال العقدين 1920 - 1930.
وفي الختام، يُرمى ستالين وأمثالُه من القتلة والمستبدّين إلى مزبلة التاريخ، ويرتفع نجم الشعراء والمبدعين عاليا. هكذا عرفنا أوسيب مندلشتام، وتهافتْنا على قراءة مجموعاته الشعرية والنثرية: "الحجر"، "تريستيا"، "قصائد"، "الطابع المصري"، "ضجيج الزمن"، "رحلة إلى أرمينيا"، وسواها ..