"الاستفتاء الأخلاقي" في أميركا

04 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

عندما ينشر هذا المقال سيكون الناخب الأميركي قد اختار من سيكون رئيس بلاده خلال السنوات الأربع المقبلة، إما التجديد للرئيس الحالي دونالد ترامب، أو اختيار جوزيف بايدن لقيادة التغيير الذي وعد به. وسرعان ما سينسى الناس عدد الأصوات التي حصل عليها كل مرشح، والفارق بينهما، وسيذكرون فقط الرئيس الأميركي السادس والأربعين. ولكن هذه الانتخابات ستبقى استثنائية بامتياز، ومفصلية بدرجة كبيرة، إذ سيكون لها ما قبلها وما بعدها في تاريخ الاستحقاقات الأميركية، فقد حققت هذه الانتخابات، حتى قبل يوم الاقتراع، نسبة مشاركة قياسية، بل وتاريخية، لم تشهدها أميركا من قبل، بتصويت نحو مائة مليون أميركي من أصل نحو 150 مليونا أو أكثر بقليل هو عدد الناخبين الأميركيين. ويترجم هذا الإقبال غير المسبوق على المشاركة في الانتخابات وضعية الاستقطاب السياسي والاجتماعي والثقافي الحاد بين معسكري الحملتين، والذي يعكس أيضا الانقسام الكبير داخل المجتمع الأميركي. 

 المنافسة بين ترامب وبايدن ستبقى استثنائية بامتياز، ومفصلية بدرجة كبيرة، إذ سيكون لها ما قبلها وما بعدها في تاريخ الاستحقاقات الأميركية

نحن أمام انتخابات استثنائية بكل المقاييس، جرت في أوقات غير عادية جاءت بعد عامين من الاضطرابات التاريخية في أميركا بسبب جائحة كورونا، وتداعياتها الاقتصادية الكارثية، وعنف الشرطة والاحتجاجات العرقية الكبيرة، وتصاعد قوة المليشيات المتطرّفة المناهضة للديمقراطية. يغذّي كل هذه الأزمات غير المسبوقة في التاريخ الأميركى المعاصر خطاب سياسي مثير للانقسام العرقي، ويقوّض التماسك الاجتماعي، ويمثل أكبر تحدٍّ للمثل العليا التي قامت عليها الأمة الأميركية. وقد حوّلت حالة الاستقطاب هذه الاستحقاق الرئاسي إلى نوع من الاستفتاء الشعبي الكبير الذي لم تشهده أميركا من قبل حول مستقبلها ونموذجها وصورتها في العالم، فعندما توجّه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع لم يختاروا فقط الرئيس والمشرّعين فحسب، وإنما قرّروا أيضًا في ما سوف تكون عليه بلادهم مستقبلا. إعادة انتخاب ترامب تعني اختيار الأميركيين التوجه نحو اليمين الليبرالي المتطرّف في كل شيء، الذي يضع أميركا ومصالحها، أو بالأحرى مصالح فئة منها فوق كل اعتبار، بما في ذلك القيم التي بنى عليها المؤسسون قوة الأمة الأميركية وعظمتها. أما انتخاب بايدن فيعني إعادة نوع من التوازن إلى التنافس التقليدي بين اليمين المحافظ واليسار المعتدل داخل أميركا، والعودة إلى الاحتكام في العلاقات الدولية إلى المواثيق والمعاهدات التي ظلت تحكمها وتؤطرها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واستعادة الثقة في القيم الأميركية الكبرى التي صنعت من أميركا قائدة العالم الحر، وحلما جاذبا لشعوبٍ كثيرة في العالم. 

صوت الأميركيون لترامب رئيسا عام 2016، على اعتبار أنه مرشّح من خارج المؤسسات التقليدية الحاكمة في واشنطن، مرشّح بدون عقيدة سياسية واضحة

وكيفما كانت النتيجة النهائية والفائز فيها، فإن قراءة هذه النتائج ستعطينا صورة مقرّبة لطريقة تفكير الأغلبية من الأميركيين الذين أدلوا بأصواتهم فيها، وبالتالي تشكيل فكرةٍ عما سوف تعنيه أميركا للأجيال القادمة من الأميركيين. ومن قراءة العناوين الكبرى التي أفرزها خطابا الحملتين، يمكن أن نميز بين أميركا عنصرية تشكل تهديدًا وجوديًا للتقدم والعدالة والبيئة في العالم، جسّدتها حملة ترامب، وأميركا متصالحة مع قيمها التي تأسّست عليها قوتها، وشكلت صورتها التي صدّرتها إلى العالم، وهي الصورة التي وعدت حملة بايدن باستعادة بريقها في حال انتخابه رئيسا. فالنتيجة النهائية لهذه الانتخابات لن تنتهي فقط عند إغلاق صناديق الاقتراع وعد الأصوات وإعلان الفائز، وإنما سوف تتعداها إلى التأثير الكبير على كيفية ممارسة السياسة مستقبلا في أكبر ديمقراطية في العالم، وستمنحنا مفتاح فهم كيف يفكر الأميركيون، وكيف سيكون تصرّفهم لأجيال قادمة داخل بلادهم، وفي علاقاتهم مع العالم. 

عندما انتخب ترامب رئيسا لأميركا عام 2016، كان ذلك هو اختيار الأميركيين الذين صوّتوا عليه، على اعتبار أنه مرشّح من خارج المؤسسات التقليدية الحاكمة في واشنطن، مرشّح بدون عقيدة سياسية واضحة. وقد وصف اختياره، آنذاك، المفكر اليساري نعوم تشومسكي بأنه "حصيلة مجتمع متداع وماضٍ بقوة نحو الانهيار". وهزيمته اليوم، لو لم يتم التجديد له، تعني أن وجوده خلال السنوات الأربع الماضية كان مجرّد حادث عرضي في تاريخ واحدة من أعرق الديمقراطيات الغربية، لكن الشرخ الكبير الذي أحدثه داخل المجتمع الأميركي وفي السياسة الدولية لن يلتئم قريبا. 

لحظة فارقة تظهر الانتخابات الأميركية كأكبر استفتاء شعبي على القيم الأميركية

أما انتصار بايدن الذي لم يتخلص قط من ظل رئيسه السابق باراك أوباما، الذي رافقه ودعمه بقوة طوال حملته الانتخابية، فسيرسل عدة إشارات إيجابية في أكثر من اتجاه نحو الداخل الأميركي الممزق، والمهدّد بالعودة إلى الحرب الأهلية بعد قرنين من الوحدة، كما سيبعث رسائل مطمئنة نحو العالم الخارجي الذي تسود علاقاته الفوضى والاضطراب اللذان يهدّدان الأمن والسلم العالميين. 

نحن أمام لحظة تاريخية فارقة تظهر الانتخابات الأميركية كأكبر استفتاء شعبي على القيم الأميركية الكبرى، والعدالة العرقية والمساواة والعدالة الاجتماعية. سيكون تاريخ 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 لحظة اختيار تاريخية أكبر من مجرّد اختيار رئيس أميركا القادم، وإنما ستظل شاهدة على التغيير الهيكلي الكبير الذي يتفاعل، منذ فترة، داخل المجتمع الأميركي، بكل تشعباته العرقية والاجتماعية والسياسية. مجتمع ممزّق بين مبدأين أخلاقيين متعايشين متضاربين: الاعتقاد الديمقراطي بوجوب توزيع الثروة بشكل منصف، والاعتقاد الرأسمالي الذي يحرّكه السوق بأن توليد الثروة هو خير في حد ذاته. وما يختزله هذان المبدآن من تجسيد لسلطة المؤسسات الديمقراطية وحكمها أو من تعظيم لسلطة الحاكم المستبد بأمره.