"الإدارة الذاتية" في سورية ومتاهة خرائط إقليمية ودولية

04 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

تتكرر التهديدات التركية لاجتياح ما تبقى أو أجزاء من المناطق الخاضعة لسيطرة "الإدارة الذاتية"، الكردية، في شمال سورية. وتتوزّع التوقعات بين تحرّك تركيا صوب تل رفعت ومطار منغ الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وبرعاية (حماية) روسية، أو المنطقة الممتدة من كوباني (عين العرب) إلى الدرباسية، مروراً بتل تمر، وهي المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية و"قسد"، مع توزع الانتشار العسكري بين أميركا وروسيا، ووجود ضئيل للجيش السوري، أو عين عيسى وريف الرقة، وهي المناطق المتأرجحة ما بين العربية الصرفة أو المختلطة العربية الكُردية، وتحت النفوذ الروسي ووجود رمزي للجيش السوري، أو مدينة ديرك حلقة الوصل بين كُردستان العراق، وتحديداً مناطق نفوذ الحزب الديمقراطي الكُردستاني (العراق)، مع "المنطقة الكُردية" في سورية. هناك يقع الموقع الاستراتيجي المهم لمعبر سيمالكا الحدودي التجاري والإنساني، والذي تستخدمه قوات التحالف في إيصال دعمها اللوجستي والتقني إلى قوات سوريا الديمقراطية عبرها، والذي أيضاً يُعتبر شريان مد المنطقة بحاجاتها الغذائية، وطريق نقل النفط والغاز من حقول ديرالزور وحقول "المنطقة الكردية". وسبق أن شهد الطريق الواصل إلى المعبر مناوشاتٍ بين الدوريات العسكرية التابعة لأميركا وروسيا، وأيضاً قطع "قوات الأمن الداخلي" (الأسايش) الطرق أمام الدوريات الروسية أكثر من مرة، لمنعها من الوصول إلى المعبر. وشهدت مختلف المناطق خروج الأهالي ضد الدوريات الروسية، والتي قالت روسيا عن الحدث إنه مُخطط، وبدفع من الإدارة الذاتية نفسها.

إلى ذلك، وفي خطوة استباقية، حذرت روسيا قبل أيام "قسد" من مغبة إدخال القوات الأميركية إلى تل تمر؛ ملوحة بورقة الانسحاب من هناك. وعملية الانسحاب تعني تفعيل كامل بنود مذّكرة سوتشي الموقعة بين روسيا وتركيا في 23/10/2019، والتي نصت على إخراج "قسد" إلى مسافة 32 كلم، عدا عن تجميد العمل بتفاهمات حميميم الموقعة بين روسيا و"قسد" في 13 من الشهر نفسه. وفي العموم، ميزان الخسارة والربح في ما يخص مستقبل الإدارة الذاتية، متروك أمر تقديره لكتلة اتخاذ القرار ضمن "قسد"، وأعتقد أنها تراهن على عدم الانسحاب الروسي الذي سيعني، بشكل مباشر، خسارة حضورها في مناطق وحقول النفط في الرميلان والشدادي، وتقوية الوجود الأميركي. في الوقت نفسه فإن الاتفاق التركي مع الولايات المتحدة في 17/10/2019 نص، هو الآخر، على بنود مشابهة مع اتفاقية سوتشي بشأن المنطقة الآمنة وإخراج قوات سوريا الديمقراطية.

المعارضة السورية لن تمنح المجلس الكُردي أيَّ وزن في قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، أو الانتهاكات التي أصبحت من مخيلة المجتمع المحلي

ولكن العقل السياسي لـ"لإدارة الذاتية" و"قسد" أدرك أن لا عملية عسكرية تركية قبل بداية الإدارة الأميركية الجديدة مهامها، في يناير/ كانون الثاني 2021، لكن التقاطع الذي سيلجم كل شيء بالنسبة لـ"لإدارة الذاتية" وتشكيلاتها المختلفة أن في وسع تركيا الحصول على تقاطع نقاط الاتفاقيتين اللتين وقعتهما مع واشنطن وموسكو، وهو ما يمنح أنقرة، وهي في قمة ارتياحها، مساحاتٍ ضخمة لممارسة ضغوط كبيرة على روسيا وأميركا، خصوصا وأن كِليهما يدركان حجم الدبلوماسية النشطة لتركيا، والتي تنجح في تهيئة الظروف لشن عمليات عسكرية جديدة، أو في أفضل الأحوال الحصول على موافقة لتعجيل تطبيق المنطقة الآمنة المتفق عليها مسبقا.

في الوقت نفسه، ما عاد الرهان على قوة "قسد" يأتي بشيءٍ يقي ما تبقى من المنطقة من شبح حرب جديدة، تفضي، في نتائجها، إلى تفكيك الخزان البشري الكُردي الذي شكل الورقة الأكثر فاعليةً، كعمق للقضية الكُردية طيلة نصف قرن من المواجهة الناعمة واللينة مع السلطة والحكومات المتعاقبة على سدة الحكم في سورية. وستُفضي أيَّ عملية عسكرية تركية إلى تفكك مزيد من الجغرافيا الكُردية، والتي لطالما تغنى بها القوميون الكُرد، فعن أي رهان على "قسد" نتحدّث إن كان السلاح الأميركي بيد "قسد" صديقاً للسلاح التركي، وفق شيفرات عسكرية خاصة، لا يسمح لسلاح حلف شمال الأطلسي (الناتو) من التصادم مع بعضه بعضا؟ أو يُمكن القول، بطريقة أخرى، إن لدى تركيا من الطائرات المسيرة بدون طيار ما يكفيها لتدمير البنية التحتية والعسكرية.. إلخ، مع عدم وجود ساند جوي لـ"قسد"، وعدم إغلاق المجال الجوي أمام سلاح الطيران التركي، كما حصل في معارك درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام. كما أن المعارضة السورية لن تمنح المجلس الكُردي أيَّ وزن في قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، أو الانتهاكات التي أصبحت من مخيلة المجتمع المحلي، بعد المشاهدات والممارسات في المناطق التي دخلتها فصائل المعارضة السورية. والواضح أن خريطة المصالح الإقليمية والدولية حول شرق الفرات لا تأخذ في الحسبان أهمية القضايا الإنسانية، واستشهاد أعداد كبيرة من المقاتلين والمدنيين، خصوصا مع وجود أكثر من مسار سياسي دولي للحل في سورية، ومواقفها من الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، وحيث تنقسم وتتشعب المصالح الدولية بشأن سورية. 

لم تتضح استراتيجية الولايات المتحدة، الغامضة، في المنطقة. وحصرت مصلحتها العسكرية بالقضاء على تنظيم داعش ومسلحيه وإخراج إيران

أميركيا: لم تتضح استراتيجية الولايات المتحدة، الغامضة، في المنطقة. وحصرت مصلحتها العسكرية بالقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ومسلحيه وإخراج إيران، وأخيرا بدأت بدعم مسار سياسي محلي حول حوار كردي – كردي، لكنها لم تصل إلى مرحلة الضغط المباشر بتأثير فعال بشكل واضح، كما لم تحصل على النتائج المرجوة. فقط تكرّر دوماً ضرورة إسناد المنطقة إلى قيادات وشخصيات وكتل سياسية سورية، وإخراج أي فصيل أو شخصية غير سورية منها. في الوقت نفسه، ولمصلحة إدارية اقتصادية التي تشكل أولوية أكثر من المصلحة السياسية، فإنها تدعم قوات سوريا الديمقراطية و"الإدارة الذاتية". وبدأت أخيرا باستيعاب المكون العربي واحتضانه ضمن "الإدارة"، سعياً منها إلى كسبه ومنع انسلاخه إلى جانب روسيا، النظام السوري، وإيران. أما سياساتها على الصعيد الدولي تجاه سورية، فإنها لا تزال تضغط باتجاه جعل مسار جنيف المسار الشرعي، وتسعى صوب محاصرة روسيا. وفي المحصلة، فإن أثرها السياسي حالياً متراجع، ولم تنجح مساعي المبعوث الأممي، بيدرسن، في تفعيل جلسات جديدة لاجتماع اللجنة الدستورية، ولا الحصول على نتائج واضحة لاجتماعات السابقة للجنة.

تبقى مصلحة تركيا قائمة في محاربة "قسد"، ومنع وجود كيان كُردي يُمكن أن يتحول إلى منصةٍ يستأثر بها حزب العمال الكردستاني ضدها مستقبلاً

روسيا: تكرّر إنها القوة الأجنبية الشرعية الوحيدة في سورية. ولذا تنحصر مصلحتها العسكرية في سيطرة النظام السوري على كامل سورية، بينما مصلحتها السياسية عابرة لمصلحة الجغرافيا السورية، إلى ضمان بقائها بالقرب من البحر المتوسط وطرق نقل النفط والغاز والتحكم بمستقبل سورية. لذا عُرف عن روسيا، ومنذ بداية تدخلها في سورية عام 2015، سعيها الدائم نحو الحصول على مزايا وامتيازات اقتصادية طويلة الأمد، وربطت بقاءها بعملية سياسية خاصة بها، عبر "أستانة" وسعيها نحو التحكّم بقرار مجلس الأمن 2254، والتحكّم باللجنة الدستورية عبر إصلاحاتٍ ستكون من مصلحة دمشق وراضية عنها، وفرض المصالحات مسارا داخليا. ويمكن القول إن أثر ذلك متأرجح إلى حدً ما.

أوروبا: تتجسّد مصلحتها العسكرية في محاربة "داعش" والقضاء عليه، ومنع وصول مقاتليه إلى أراضيها، بل وترفض استلام رعاياها من سجون "قسد"، ومن مصلحتها التحول الديمقراطي في سورية، بما يستلزم من إعادة الإعمار والحوكمة كروافد اقتصادية وإدارية لعملها أو مصالحها في سورية. وتصطف إلى جانب أميركا من العملية السياسية في جنيف، وتدعم الفريق التفاوضي للمعارضة السورية، لكن تأثيرها غير عميق، وليس محوريا بعد.

هل المطلوب من كُرد سورية أن يبقوا في ساحة صراعات وحروب، تؤجل أحلامهم القومية والسياسية المشروعة عقوداً أخرى؟

تركيا: مصلحتها العسكرية هي في محاربة "قسد"، ومنع وجود كيان كُردي يُمكن أن يتحول إلى منصةٍ يستأثر بها حزب العمال الكردستاني ضدها مستقبلاً. كما أنها تسعى صوب الانتقال السياسي الذي يصب في مصلحتها السياسية، وخصوصا إذا كانت لها مصالح اقتصادية وسياسية عميقة في شرق الفرات، فيما لو أفرز كيان كردي أو ما شابه. ولذلك تدعم وبقوة مناطق نفوذها في غصن الزيتون ودرع الفرات ونبع السلام، لمصالحها الاقتصادية والإدارية، لكنها تحاول اتخاذ موقفٍ وسطيٍّ وايجابي من "سوتشي" و"جنيف"، وهي إحدى الدول الضامنة في أستانة، وبذلك فهي ذات أثر مهم في كامل مستقبل سورية. 

إيران: مصلحتها العسكرية في إنهاء وجود أي سلاح خارج نطاق الجيش والنظام السوري، لذا فإن مصلحتها السياسية هي مع النظام السوري، تسعى صوب مصالح اقتصادية وإدارية عبر امتلاك أدواتٍ، منها السيطرة على بعض الطرق البرية، والتحكم بالمنافذ إن تمكّنت، بغية ضمان طريق برّي من إيران إلى لبنان، وتحبذ تعطيل العملية السياسية. ولها أثر أساسي؛ فهي تتحكّم بمرافق حيوية عديدة في سورية.

أمام تشعب خطوط العلاقات بين الدول ذات الشأن في سورية، وتضارب مصالحها، ومحاولة "الإدارة الذاتية" التقرّب من أغلب الأطراف، والتفضيل الدولي لتركيا على حساب "قسد" متجسّداً بثلاث معارك عسكرية، هل بقي أمام "الإدارة الذاتية" وقوات سوريا الديمقراطية أيَّ مجال لأي مقاومة أو حرب جديدة، تُفرض عليها، أو تقوم بخطوات وحسابات سياسية وعسكرية خاطئة، تدفع المنطقة الكُردية المتبقية فاتورتها باهظة؟ وهل المطلوب من كُرد سورية أن يبقوا في ساحة صراعات وحروب، تؤجل أحلامهم القومية والسياسية المشروعة عقوداً أخرى؟